إعْجَام

مدونة مروان الرشيد

😀الانفعاليَّة الإيموجيَّة🤔

سالي لاثام 

في علمِ الأخلاق؛ المذهب الانفعالي هو نظرية لامعرفية في اللُّغة الأخلاقية، دعا إليها ديفيد هيوم (١٧١١-١٧٧٦)، ولحقه بعد حين ألفرد جول آير.

والمُقاربة اللامعرفية تقول: إن الأحكام الأخلاقية لا تطلق دعاوى حيال الواقع يمكن أن تكون صادقة أو كذابة؛ فهي لا تُعبِّر عن معتقدات حيال العالم، وإنما تُعبِّر عن شيء آخر وغالبًا ما يكون هذا الشيء مشاعر أو رغبات.

وهذا يضعها على النقيض من المُقاربة المعرفية، التي ترى أن الأحكام الأخلاقية تضع دعاوى واقعية عن العالم يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة، ومن ثمَّ تُعبِّر عن مُعتقدات.

في هذه المقالة سأُبيِّن مسوغات المذهب الانفعالي قبل أن أُقدِّم فهمًا جديدًا لهذه النظرية في القرن الحادي والعشرين. 

هيوم

David Hume

في الكتاب الثالث، من «رسالة في الطبيعة البشرية» (١٧٣٨)، يجادل هيوم بأنَّ أحكامنا الأخلاقية ليست دعاوى مُعلَّلة عن ماهية العالم. فالأخلاق لها تأثير في الأفعال والمشاعر، أما العقل -بحدِّ ذاته- فليس له هذا التأثير؛ إذ لا يُمكننا أن نقع على «صحة» أو «خطأ» الفعل، بفحص الفعل نفسه:

«لنأخذ أيَّ فعلٍ يُتَّفقُ على كونه فعلًا شريرًا، ولنقل: القتل العَمْد. انظر في الأمر من جميع جوانبه لترى إن كان بمقدورك أن تجد حقيقةً أو وجودًا حقيقيًّا لما تدعوه «رذيلة». ومهما قلَّبت الأمر، لا تجد إلَّا عواطف وبواعث وإرادات وأفكار؛ وهذه هي الحقائق الوحيدة في الأمر. أما الرذيلة فتفرُّ منك ما دمت تفحص الفعل الفردي: القتل، ولن تجدها إلا حين تميل بتفكيرك إلى صدرك، وتجد شعورًا بالاستهجان يَنْشَأ تجاه هذا الفعل».

وإن قبلنا هذا، فيمكننا مقارنة الفضيلة والرذيلة بما يُسميه جون لوك الخصائص الثانوية، كالأصوات والألوان: فهي ليست خصائص في الأشياء بحدِّ ذاتها، وإنما في إدراكات في عقل المُلاحِظ. ولذا من الأصح الحديث عن مشاعر أخلاقية، لا عن أحكام أخلاقية. 

وهنا تكمن جذور المذهب الانفعالي؛ النظرية القائلة بأن الأحكام الأخلاقية ليس لها فحوى واقعي، وإنما هي تعبيرات عن العواطف. فمقولة: «القتل خطأ»، تصير: «أُفٍّ للقتل!»، و«أُفٍّ!» ليس زعمًا واقعيًّا يمكن أن يكون صادقًا أو كاذبًا، ولكنه ردُّ فعلٍ شاجبٍ للقتل. وشخص يقول: «مرحى بالقتل!» لا يختلف في الحقائق بأيِّ معنًى حقيقي للكلمة؛ إذ أن المقولتين تتفقان في الحقائق المتعلقة بالقتل، والفرق هو في ردة الفعل العاطفية، وهذا لا يُشكِّل أيَّ تناقض بين الحكميْن. 

آير

استخدم آير «مبدأ التحقيق» الخاص به ليصل إلى لنسخته الخاصة من المذهب الانفعالي. ومبدأ التحقيق هو معيار للمعنى؛ ويقول إنَّ القضية لأجل أن تكون قضيةً تتعلق بحقيقة، يجب أن تكون العبارة إما صادقة من حيث التعريف (أيْ بديهيةً منطقيًّا) أو قابلة للتحقيق تجريبيًّا (علمية). وكما قال في الكتاب الذي أطلقه إلى الشهرة، اللغة والحقيقة والمنطق (١٩٣٦): «يكون للجملة قيمة واقعية لكل شخص عندما -وعندما فقط- يعلم كيف يتحقق من القضية التي تزعم الجملة التعبير عنها؛ أيْ إن كان يعلم أن المُلاحظة ستقوده -في ظروف يقينية- إلى قبول القضية بوصفها صادقة، أو ردِّها بوصفها كاذبة». وإن تلفَّظ امرؤ بمقولة ليست تحصيل حاصل ولا يمكن التحقق منها بالتجربة؛ فهي -يقول آير- «قضية زائفة؛ فالجملة قد تكون ذات معنى عاطفيًّا عنده، ولكن ليس لها معنًى حقيقي».

والأحكام الأخلاقية ليست تحصيل حاصل، ولا قابلة للتحقُّق. ولنفترض أننا عرَّفنا القتل على أنه «القتل العمد لإنسان آخر»، فإن قول: «القتل خطأ» ليس صادقًا بالتعريف؛ إذ ليس هناك في تعريف «القتل» ما يحتوي كونه خطأ أخلاقي، ويمكن إنكار هذا من دون الوقوع في التناقض. ولا يوجد حالة يكون فيه الدليل الحسي متصلًا بتحديد صدق هذا الحكم أو كذبه؛ إذ أيُّ دليلٍ تجريبي يمكن أن تكتشفه يمكن أن يُثْبِتَ أنَّ القتل خطأ؟ وهذا يعني أن المقولة: «القتل خطأ» ليس لها معنًى حرفي. 

قال بعض المعرفيين، كجي إي مور (١٨٧٣-١٩٨٥)، إنَّ المفاهيم الأخلاقية، من قبيل: «الخير»، مفاهيم بسيطة وغير قابلة للتحليل، لأنها أشياء مختلفة وليست من طبيعة هذا العالم. وكان ردُّ آير أن المفاهيم الأخلاقية غير قابلة للتحليل لأنها مفاهيم مُزيَّفة لا معنى لها: «هي تعبيرات عن عواطف، ولا يمكن أن تكون صادقة ولا كاذبة».

فعند آير الأحكام الأخلاقية ليست قضايا عن حالة الأشياء، وإنما صيحات أو أوامر مُصمَّمة لاستحثاث القارئ أو السامع إلى فعلٍ ما. والمصطلحات الأخلاقية تُعبِّر عن المشاعر، ولكنها أيضًا مُقدَّرة لتثير المشاعر ومن ثمَّ تُحفِّز إلى الفعل. وهي ليست قابلة للتحقيق، مثلما أنَّ صيحة ألمٍ أو أمرٍ ليسا قابلين للتحقيق؛ لأنَّها لا تُعبِّر عن قضايا واقعيَّة.

ولنتخيل أنِّي أضع يدي في ماء شديد السخونة، فأشتم بصوتٍ عالٍ. إن شتيمتي ليست زعمًا واقعيًّا يمكن أن يكون صادقًا أو كاذبًا، وإنما ردُّ فعلٍ انفعاليٍّ لشعوري بالماء الساخن؛ وقد تؤثِّر فيك بحيث لا تضع يدك في الماء. وبالمثل، إن شهدتُ قتلًا وقلتُ: «تبًّا للقتل!»، فسيكون هذا ردَّ فعلٍ انفعالي يدلُّ على الاستنكار، وقد يُقصد منه أيضًا ثني السامع عن القتل.

يتفق هيوم وآير على استحالة تجاوز ثغرة «الوجود-الوجوب»، التي تفصل الحقائق والقيم. وفي حين أننا نقوم بنَقْلةٍ كهذه دوريًّا؛ نجدهم يُجادلان أنه من الخطأ الاعتقاد بأنَّ لهذه النَّقْلة أيُّ أساسٍ في العقل أو المنطق.

فقد أرى رجلًا يسرق متاع رجلٍ آخر (حقيقة)، فأقول «يجب ألَّا تسرق» (قيمة)؛ ولكنَّ هذا ردٌّ انفعاليٌّ محضٌ، لا ردٌّ مؤسسٌ على أيِّ استدلال.

إن الحقائق والقيم أمور مختلفة تمامًا، ولا يمكن اشتقاق القيم من الحقائق. ولذا، عند آير، إن قُلت: «سرقة المال خطأ»، فإن جزئية «خطـأ» تُعبِّر عن قيمة لا يمكن اشتقاقها من حقيقة أن الناس يسرقون، ولا تضيف شيئًا واقعيًّا إلى المقولة؛ فكلُّ ما تفعله كلمة «خطأ» أنها تُبدي استنكارًا، ولكنها لا تحتوي على شيء يتجاوز قولك: «سرِقَةُ المال!» بصوتٍ مرتفعٍ خائف. 

تصوَّر هذا

إذن، هذا هو مذهب الانفعاليَّة. دعوني الآن أُقدِّم تفسيرًا جديدًا للانفعاليَّة، يُستبدل التعبير بـ«أُفٍّ» ونبرة الهلع وعلامات التعجُّب، وما شابه.. يُستبدلها بلعنة التواصل الحديث: الإيموجي. 

التعريف المُعجمي للإيموجي هو: «صورة أو أيقونة رقمية صغيرة تُستخدَم للتعبير عن فكرة أو عاطفة في التواصل الإلكتروني». وهي تُستخدَم لإضافة ردود فعل عاطفية إلى التعبيرات الواقعية، ومع ذلك فإنِّي سأجادل بأنها لا توصِّل معلومات واقعية في حدِّ ذاتها؛ وإنما هي كالأحكام الأخلاقية في المذهب الانفعالي، تُعبِّر عن العواطف وتحاول أن تستثيرها في الآخرين بغية التأثير فيهم.

ومن المُثير للاهتمام أنه قد قيل إن لودفيغ فيتغنشتاين هو من قدَّم مفهوم الإيموجي، عندما جادل بأنَّ التمثيلات التصويريَّة يمكن أن توصِّل قدرًا أكبر من المعلومات مقارنةً باللغة، فلقد زعم في محاضرة في كامبردج عام ١٩٣٨: «إذا كنتُ رسَّامًا جيدًا؛ فسيمكنني توصيل عدد لا يُحصى من التعبيرات بأربع ضربات من الريشة». ومن المُرجَّح أن فيتغنشتاين كان يُفكِّر بالمرونة التي يتمتَّع بها التمثيل التصويري، وهي قدرة تتجاوز قدرة إيموجياتنا الحالية؛ ولكنَّ هذا لا يُؤثِّر في الحجة هنا.

لنأخذ مثالًا على رسالة نصية:

«لقد فاتك درس الفلسفة اليوم». 

بإضافة إيموجي؛ يمكننا أن نعبِّر عن استحسان أو استهجان لهذه الحقيقة: 

  • «لقد فاتك درس الفلسفة اليوم 😁». 
  • «لقد فاتك درس الفلسفة اليوم 🙁». 
  • «لقد فاتك درس الفلسفة اليوم 😡». 

والإيموجي الحزين والإيموجي الغاضب يُعادلان قول: «ما كان عليك أن تفعل هذا»، في الخطاب الأخلاقي. 

لا يوجد خلاف حول الوقائع بين أولئك الذين يستخدمون هذه الإيموجيات المُختلفة. وإن قُلنا: «القتل خطأ» أو «القتل صواب»، فإنه وفقًا لما سأدعوه «الانفعاليَّة الإيموجيَّة» لا يزيد على:

  • «القتل 😁». 
  • «القتل 🙁».

أو ربما:

  • «القتل 😡».

يُقصد من الإيموجي الذي استخدمه استثارة شعور مماثل فيك، ولكنَّ استخدام أيٍّ منها لا ينطوي على صدق أو كذب.  

ومن المثير أن آير أشار إلى «الخطأ» و«والصواب» باعتبارهما رمزان أخلاقيان، يقول: «حضورُ رمزٍ أخلاقي في قضيةٍ ما لا يضيف شيء إلى الفحوى الواقعية». وإذا وضعنا «إيموجي» مكان «رمز»، و«رسالة نصية » مكان «قضية» ؛فأعتقد أنه سيكون لدينا مذهب الإيموجيَّة الإنفعاليَّة: «حضورُ إيموجي أخلاقي في نصٍّ ما؛ لا يضيف شيئًا إلى الفحوى الواقعي». 

انتقادات مُحتملة

أحدُ الانتقادات الموجهة إلى الإيموجيَّة الانفعاليَّة هي مُشكلة تعاني منها جميع النظريات اللامعرفية: إذا لم يكن هناك صدق أو كذب للأحكام الأخلاقية؛ فكيف يمكن أن يجري أيُّ نقاشٍ أو جدالٍ أخلاقي؟ أنا أقول: «مرحى!» وأنت تقول: «أُفٍّ» (أو أنا أرسل: 🙂، وأنت تُرسل: 🙁)، وهذه نهاية النقاش. 

يجيب آير على هذا النقد بالقول إن بمقدورنا الاعتراض على الحقائق، وهذا عادةً ما تنتهي إليه المنازعات الأخلاقية: فقد يُسيء أحدهم تقدير تبعات فعلٍ مُعيَّن، على سبيل المثال. ولكن إن اتفقنا على الحقائق واختلفنا على القيمة الأخلاقية، فعلينا إذن أن نتخلَّى عن محاولة اقناع بعضنا بعضًا بخلاف ذلك.

وكما كتب آير: «هذا لأنَّ الحجة تخذلنا عندما نتعامل مع المسائل المحضة للقيمة، باعتبارها متمايزة عن مسائل الحقيقة؛ فنلجأ أخيرًا إلى الإساءة والتهجُّم» (وهذا شيء مألوف عندما يتعلَّق الأمر بوسائل التواصل الاجتماعية).

لتبيان استخدام الإيموجيَّة الانفعاليَّة: يمكننا أن نتجادل في حقائق أكل اللحم. على سبيل المثال: هل تشعر الحيوانات بالألم؟ هل يوفِّر أكل اللحم منافع صحيَّة؟ هل هو مُضرٌّ بالبيئة؟ ولكن إن اتفقنا على جميع الحقائق، ثم انتهينا إلى:

  • «أكلُ اللحم 😁». 
  • «أكلُ اللحم 🙁». 

فهذه نهاية النقاش. 

ومجمل القول، أنَّ نظرية آير في المصطلحات الأخلاقية باعتبار أنها رموز لا تُضيف شيئًا إلى فحوى الحقائق التي تتصل لها؛ تتناسب تمامًا مع فكرة الإيموجي باعتبارها مصطلحات أخلاقية. وهذا يتركنا مع الاستنتاج المُزعج إلى حدٍّ ما: أن كلمة «خطأ» لا تعني شيئًا يتجاوز (🙁). ولكن أظنُّ أن آير سيكون (🙂) مع هذا.