جميع شخصيات القصة وأحداثها من وحي الخيال، وأيُّ تشابه بينها وبين أحداث حياتك هو من قبيل الصدفة
المُتَشَبِّعُ بما لم يُعطَ كلابس ثَوْبَيْ زُورٍ
حديث شريف
أخيرًا! لقد وجدتَ شخص أحلامك، الشخص الذي سيُخلِّصك من مخاوف الوحدة والبؤس، الذي سيحبك ويتفهمك كما لم يفعل أهلك.
تمرُّ في مُخيلتك اللحظات السعيدة التي ستقضونها معًا: السفر إلى أماكن نائية، الذهاب إلى السينما، مشاركة صور تجمعكم في مواقع التواصل الاجتماعي لتنهمر عليكما ردود من نوع: «ريليشنشبز قولز!».
تتأمَّل شخص أحلامك، فإذا به حسَن الطلعة، أنيق الملبس، مهتم بهوايات مثيرة: يعزف على آلة موسيقية، ويركب الخيول، ويتسلَّق الجبال، ويقود سيارة فاخرة. وتقول لنفسك: كم أنا محظوظ!
تجري الأمور على نحو حسن، ربما لأسابيع أو شهور أو -إن كنتَ تعيس الحظِّ- لسنوات.
ستتراكم عندك مُلاحظات على شخص أحلامك، لكنك تُرجعها إلى تنوُّع التجربة الإنسانية. ثم من أنت لتحكُم بكيف يجب أن يعيش حياته؟ لماذا لا تحترم خصوصياته؟ لذا ستصرف النظر عن هذه الشكوك.
ربما تلاحظ أنه لا يريد أن يحادثك محادثة فيديو؛ لا بأس، ربما هو إنسان خجول. وربما تكونان في نفس المكان، فيرفض أن يقابلك متذرِّعًا بأسباب واهية؛ حسنًا، ربما هو لا يحب أن تدور حوله شبهات مقابلة شخص ليس من أقاربه ولا تربطه به صلة عمل.
تتكاثر عندك هذه الملاحظات، ولكنك تجد لها جوابًا منطقيًّا؛ إذ لا تريد أن تُفسدَ -بفضولك- السعادة التي تعيشها.
ثم يأتي اليوم المشهود. بينما تتصفح الإنستغرام، مُمرِّرًا أصبعك من صورة إلى أخرى، ترى صورةً تشبه صورةَ شخص أحلامك. تعاود النظر، تُقرِّب الصورة، ولكنك لا تُصدِّق ما تراه.
ترسل الصورة إلى أحد أصحابك الذين لهم معرفة بالتقنية، فيستخدم تطبيقًا للبحث العكسي عن صور، فيجد مصدر الصورة: حساب إنستغرام لعارض أزياء مغمور.
تُفكِّر -في لحظة يأس- أن هناك تفسير: «أجل، هنالك تفسير منطقي؛ لا يمكن أن أكونَ بهذه السذاجة!».
إنَّ الأوهام تزيد شرورنا بدلًا من إخفائها؛ وذلك بإضفائها قيمة إلى ما لا قيمة له، وبجعلنا نُحِسُّ بألف حرمانٍ ما كُنَّا لِنشعُر به لولاها.
جان جاك روسو
نأتي إلى الدنيا بلا اختيار؛ لم نختر أجسادنا ولا وجوهنا ولا عقولنا ولا جنسنا ولا مواطنتنا ولا والدينا، وحتى اسمنا يُعطَى لنا.
في مجمل التاريخ البشري كُنَّا أسرى هذا الاختيار، وقدرتنا محدودة على تغيير الأشياء الأساسية في حياتنا.
إن جميعنا يريد أن يظهر للناس في أحسن صورة؛ فنُصفِّف شعورنا، ونرتدي أنظف الثياب، ونستخدم أغلى العطور. هذا يُرضي ذواتنا، ويزيد من قبولنا لدى الآخرين.
ولكن قد لا يكون هذا كافيًا؛ فقد نرى أن بعض صفاتنا أو قسماتنا ليست حسنةً بما يكفي، فنلجأ إلى عمليات التجميل. ولكنَّ علميات التجميل ليست مُيسَّرةً للجميع، كما أن ما يمكنها أن تُنجزه محدود.
مع ظهور الإنترنت، ومن ثم وسائل التواصل الاجتماعي، وجد الإنسان نفسه أمام واقعٍ جديد يُمكِّنُه من أن يخلق نفسه كما يُريد. فلقد صار يوجد، إلى جانب العالم الحقيقي، عالم آخر: العالم الافتراضي.
وفي هذا العالم لنا مُطلق الحرية، والحدُّ الوحيد هو خيالنا. يمكن أن نختار اسمنا وشكلنا وعملنا وأصدقائنا، وسنجد من يُصدِّقنا من دون كبير جهد.

صدر هذا الكاريكاتير في بدايات انتشار الإنترنت عام 1993، ومن ذلك الحين أصبحت هذه المقولة من المقولات التي تُعرِّف طبيعة عالم الإنترنت.
العالم الافتراضي يوفر خيارات يسيرة لإعادة اختراع الذات. في هذا العالم، أنتَ الراوي الذي يتحكَّم في سردية حياتك. كل ما تحتاجه هو بريد إلكتروني وحساب في شبكة اجتماعية، ثم تترك لخيالك العنان: يمكنك أن تختار وظيفة أحلامك، نمط حياتك، وجهاتك السياحية، أصدقائك وزملائك.
تتراوح إعادة اختراعنا لذواتنا من التحسينات الطفيفة إلى التغييرات الجذرية. فقد نستخدم الفلاتر لتحسين بشرتنا وأشكال أنوفنا، ونتخيَّر زوايا في التصوير تظهر الجوانب المُستحسنة وتخفي الجوانب المُستبشعة.
ونصوِّر أطباقنا في المطاعم والمقاهي التي تفوق قدراتنا المالية، ونلتقط صورةً مع سيارة فارهة عابرة.
وعندما نتحدَّث عن حياتنا، لا نأتي على ذكر الجوانب غير الجذابة فيها، وقد نخترع جوانب سارة: نتحدث عن حنان والدينا، وروعة مدرائنا، ومراعاة أحبائنا، وعن كيف أنَّ الجميع يغمروننا بالحب1.
لكن هذا قد لا يكفي. فالإحباط الذي يعانيه البعض لا يُطَاق، والتحسينات الطفيفة لقصة حياته لا تشفي الغليل. وعندها يلجأ إلى إعادة الاختراع الجذرية لحياته، وهذا ما يُدعَى بـ«الانتحال الالكتروني».
ولقد مكَّنت التقنية لهذه الظاهرة من عدة جهات.
فمن جهة، زادت من حُمَّى المقارنة بين حياتنا وحياة الآخرين، بسبب توفُّر منصات تُشجِّع على استعراض الاستهلاك التفاخُري. فلم يعد من الضروري أن تُسافر إلى موناكو ومربلَّة لتشاهد كيف يعيش الأثرياء، إذ يكفي أن تفتح هاتفك المحمول على أيِّ منصة اجتماعية لترى كيف يعيش الأثرياء ومدَّعو الثراء.
ومن جهة أخرى، أتاحت التقنية أيضًا القدرة على انتحال هذا النَّمط من الحياة بصورة قابلة للتصديق، وتلقِّي استحسان الآخرين.
لنصف المُنتحل المثالي: يجد نفسه في أسرة لا تعجبه، تضع عليه قيودًا في اختياراته ونمط حياته، لا تتيح له اختيار ملابسه ولا تخصصه الدراسي ولا وظيفته ولا شريك حياته. وقد يجد نفسه رازحًا تحت ثقل مسؤوليات لم يخترها. لا شيء يعجبه في حياته، ولا أمل في تغييرها.
ومع ذلك تشتعل في نفسه رغبة عارمة في أن يعيش حياةً مختلفةً تمامًا، ويظنُّ أن تلك الحياة هي التي ستُشعره بالسعادة.
إن نفسية المُنتحِل دائمًا هي نفسية الإنسان المقهور؛ نفسية من لم يستطع التصالح مع ظروفه وواقعه، فيلجأ إلى هذه الخيالات بوصفها آلية للتعايش.
الانتحال الإلكتروني ليس هو الاحتيال الإلكتروني؛ فمع أن الظاهرتين تتقاطعان في العديد من سماتهما، إلا أن الهدف في الاحتيال الإلكتروني هو الحصول على مالك، أما في الانتحال الإلكتروني فالهدف هو الحصول على تصديقك. فتصديقك هو العُملة التي يستخدمها المُنتحِل لإسباغ الواقعية على عالمه.

ومثلما يُطعِّم الروائي روايته بعناصر من حياته وتجربته في روايته، يُضمِّن المنتحل عناصر من حياته في القصة التي يخبرك عنها.
فقد يستخدم اسمه الحقيقي، ولكن يضع صورة عارض أزياء. ويخبرك باسم المدينة التي يُقيم فيها فعلًا، ولكن يختار حيًّا راقيًا. ويعلمك عن مكان عمله الحقيقي، ولكن مع تغيير المُسمَّى الوظيفي.
ومثل الروائي، يملأ المُنتحل حياته بشخوص خيالية، وقد يصطنعُ لهذه الشخوص حسابات في الشبكات الاجتماعية؛ تتحدَّث معه، وتعيد التغريد له، وتتخاصم معه وتتصالح.
هكذا ينسج لك عالمًا قابلًا للتصديق.
سُميت هذه الظاهرة بالـ«كاتفيشنغ»، على اسم نوع من الأسماك يقال إنه يُوضَع في نفس الحوض مع نوع آخر من الأسماك، لجعلها في حالة تيقُّظ مستمر، لئلا تصاب بالخمول والترهُّل.
يتحدَّث علماء النفس عن «زوال المثبِّطات على الإنترنت»، ويعنون بها أن المرء عندما يكون على الإنترنت يتحرَّر من القيود الاجتماعية والنفسية التي تحكمه في الحياة الواقعية، فيستسهل التنمُّر والكذب والتظاهر.
تدعو إحدى المبادئ الرئيسية في الفلسفة الرواقية إلى التيقُّظ الدائم. فأصحاب الفلسفة الرواقية يرون أن ما يؤثِّر في البشر ليس الأحداث بحدِّ ذاتها، وإنما انطباعاتهم عنها. يقول إبكتيتوس: «عندما تمشي فأنت تأخذ حِذْرك من أن تطأ مسمارًا أو أن تعثُرَ بكَ القدم؛ خُذْ حِذْرًا مماثلًا من أن يلحق بعقلك الأذى».
الوهم شائع في التاريخ البشري، لكن لا يلبث أن يُكتَشف. إنما في العالم الافتراضي، ثمة مجال لنمو الوهم واستمراره. وعلينا أن نتمتَّع بالتيقُّظ؛ لئلا ننخدع بأوهامنا، وأوهام الآخرين.
1 هناك، بالطبع، هوس معاكس يتمثَّل في اختراع مصائب لاستدرار عطف واهتمام الآخرين. وهذا نوع مختلف من الانتحال.