إعْجَام

مدونة مروان الرشيد

الهَوامل والشَّوامل في الترجمة

هذه أسئلة وردت إليَّ في موضوع الترجمة، فأحببت جمعها ونشرها هنا؛ لتعمَّ المنفعة، ولا تذهب قبضَ ريح.

  • كيف بدأت الترجمة؟

كانت بدايتي في الترجمة بسبب ولَعي بالكتابة. كانت عندي رغبة شديدة في أن أكتُب، لكني لم أملك الشجاعة والمعرفة الكافية التي تؤهلني للكتابة بعد؛ فكانت الترجمة هي السَّلوى في التفريج عن الرغبات الكِتابيَّة المكبوتة، ثم صارت ولعًا بحدِّ ذاتها، وظهر أني أملك بعضًا من القدرة فيها.

  • هل مهارة كتابة وإعداد المحتوى ضرورية للمترجم؟

مهارة الإنشاء -على العموم- ضرورية للمُترجم؛ فهو يتلَّقف معاني لغة، ليصوغها في لغة أخرى. ومهارة إعداد المحتوى متفرعة من مهارة الإنشاء. فالكاتب يُعبِّر عن مكنوناته، والمُترجم يُعبِّر عن مكنونات غيره؛ وكلاهما يلزمه مهارات الإنشاء.

  • نصائح للمبتدئين في الترجمة؟ ومن وين مفروض نبدأ؟

كما أُكرِّر دائمًا، الترجمة شيء تتعلمه بالتمرُّس، ولا تغني المعرفة النظرية عن الممارسة؛ مهما كانت متعمِّقة. ولا بد للمترجم من إغناء معجمه اللغوي بالقراءة في اللغتين اللتين يجيدهما، وإن كان له كتابات فيهما هو أحسن.

أما من أين البداية؟ فالبداية في الترجمة نفسها: ترجم، وترجم، ثم ترجم.

  • وش خلاك تترجم كتاب «الإحياء والإصلاح في الإسلام»؟ وش أهميته؟

أهميته تتمثل في أمرين: أنه آخر كتاب كتبه فضل الرحمن وهو عالم مهم في الإسلاميّات، والأمر الآخر أنه محاولة طموحة في تتبُّع جميع محاولات الإصلاح المهمة منذ القرون الأولى وحتى زماننا هذا؛ إلا أن وفاة المؤلف حالت دون إكماله، فلم يتضمن إصلاحيي القرون الثلاثة الأخيرة.

وترجمتُه لأني أحب أن أتحدَّى نفسي. فقد كان هذا الكتاب تحديًا؛ لأنه يتناول موضوعًا معقدًا وكبيرًا، ويتطلب رجوعًا إلى مصادر واقتباسات لا تحصى، وتحقيقًا في المصطلحات الكلامية والفلسفية والدينية وترجمتها على النحو الصحيح.

  • هل يمكنني العمل والتدرب وحدي بدون مساعدة؟ هذا أكثر شيء أقلق بشأنه، لن أحصل على «فيدباك».

إذا نشرت ترجماتك، ستجد من يعطيك «فيدباك»؛ من أشخاص متخصصين، وزملاء وزميلات في المهنة. لن تُعدَم أحدًا يعطيك «فيدباك»، شريطة أن تنشر ترجماتك وتعرضها على العالم.

  • هل الترجمة متعبة أم ممتعة؟

مُتعبة، لكن ثمرتها –إذا كانت جيدة– مُمتعة.

  • أنا مبتدئ في الترجمة، هل يمكنك أن تنصحني؟

العمل فالعمل ثم العمل. الترجمة فن عملي، كركوب الدراجة أو السباحة، لا يمكن تعلُّمه نظريًّا فقط. ابحث عمَّن يشتري منك ترجمتك. وإن لم تجد، ابدأ الترجمة من نفسك وانشر ترجماتك في مدونة وعبر وسائل التواصل. هكذا ستتعلَّم بالعمل والتدريب، ومن ثم ستجد من سيطلب خدماتك بثمن.

وكما قلت سابقًا، المترجم لا بد له أن يكون موسوعيًّا، وأن يقرأ على أوسع نطاق. هكذا سيكتسب معلومات وملكة لغوية تعينه في الترجمة في جميع الفنون.

  • متى شعرت فعلا أنك متمكن من اللغة الانجليزية؟ يعني في أي مرحلة عمرية؟

بصراحة: حتى الآن لا أشعر أني متمكن من اللغة الإنجليزية؛ فما زلت أتعلم كلمات وتراكيب وقواعد جديدة كل يوم. وكذلك الحال بالنسبة للغة العربية -لغتي الأم- ما زلت أتعلَّم أشياء خفيت عني. لذا تعلُّم اللغات صيرورة لا تنتهي.

  • أنا أترجم بدون مقابل لمنصة ما ويكتبون اسمي على المقالة وكل شيء، السؤال هو: متى تجي المرحلة اللي أكون فيها معروفة ويجيني عملاء؟

السوق مزدحم، لذا لازم تميِّز نفسك. من أهم الطرق التمييز: ترجمة كتاب. فالكتاب -مهما حدث- يبقى له سحره. ومن الممكن أن تعرض خدماتك، مرفقة بسيرتك ونماذج من أعمالك، على الجهات التي تبحث عن مترجمين.

وكما قلت سابقًا، ظهور اسمك سيجعل إمكانية حصولك على عمل أو وظيفة أكبر. ويمكنك أن تُحاول التوسُّع في مجالات أخرى؛ ككتابة المحتوى أو كتابة مقالات عن الترجمة والأدب وما شابه.

  • هل الترجمة عمل مُجزي؟

في البدايات: لا. يجب أن تعمل على نفسك فترة طويلة، وأن تترجم بثمن قد يكون بخسًا (وهذه مسألة نسبية) إلى أن تؤسِّس نفسك؛ وحينها تصير الترجمة عملًا مُجزيًا، وتُطلَب بالاسم.

  • حسنًا أريد أن أترجم بثمن بخس؛ لكن لمن أترجم؟

أحيانًا يجب أن تترجم بلا ثمن في البداية، حتى تثبت نفسك. وحينها سيرى الزبائن ما لديك وسيسعون للعمل معك، ومن ثم ستزداد تسعيرة ترجمتك مع الوقت. العملية تراكمية.

  • نصائحك لتقوية اللغتين العربية والإنجليزية

اللغات -بطبيعة الحال- تتقوَّى بالتمرُّس؛ بالتحدث والكتابة والقراءة والإنصات، وكل هذه المهارات تتعاضد وتتآزر لاكتساب اللغة والتمكُّن منها. والتعرُّض اللغوي الدائم والمستمر يُكْسِب السليقة اللغوية. واستخدام القواعد والمفردات، التي تعلمتها، في الكتابة والتحدُّث؛ يوطِّد هذه السليقة. استمع لأفضل من يتحدث هذه اللغة، واقرأ لأفصح مستخدميها؛ وستكتسب هذه الفصاحة بالاحتكاك.

  • ما هي كتبك المترجمة المنشورة؟

حتى تاريخ نشر التدوينة:

  • اذا تكرمت هل ممكن تذكر بعض الكتب المختصة بالترجمة ومشكلاتها؟

كتب نظريات الترجمة المغرقة في النظرية قد تكون قليلة الفائدة، يكفي التعرُّف على النظريات الأساسية. توجد كتب عملية، ككتب الدكتور محمد عناني: «فن الترجمة» و«مرشد المترجم».

لكن يبقى خير معلِّم للترجمة هو الترجمة نفسها: ممارستها. فبالتجربة والخطأ، يشحذ المرء مهارته الترجمية.

أجد أناسًا كثر يعرفون نظريات الترجمة، ولكن إذا ترجموا كانت ترجماتهم ركيكة. ربما الأجدى التعرُّف على الأساليب اللغوية والبلاغية في اللغتين اللتين تعمل فيهما؛ هكذا ستفهم النص كما يجب، وتنتج نصًا متينًا مُجوَّدًا.

  • اعطنا نصائح حول الترجمة من فضلك.

أول متطلب، في الترجمة، سعة الأفق. يجب أن يكون المترجم جاهزًا للتصدي لأي نص، بالحد الأدنى من المصادر. فنفس الكلمة قد يختلف معناها باختلاف الموضوع؛ في الاقتصاد لها ترجمة، وفي الفلسفة لها ترجمة، وفي الفيزياء لها ترجمة.

قبل الشُّروع في الترجمة يجب أن يعرف المترجم أيَّ نوع من النصوص الذي أمامه، أيْ ينتمي إلى أيِّ فن؛ ثم عليه أن يكون عرافًا بمصطلحات هذا الفن. وعندما لا يعرف كيف يترجم أحد المصطلحات، فعليه أن يبحث ويتعلم هذا المصطلح وأبعاده. وعندما يشعر أن المصطلح الذي في مستودعه لا يؤدي الغرض ويبدو خاطئًا، عليه أن يبحث في المترادفات حتى يجد الكلمة المناسبة التي تكون مثل قطعة الپزل: الكلمة التي تنطبق تمامًا على المعنى المُراد.

ثم يجب القراءة في أحوال المترجمين البارعين، وتتبُّع كيف حلوا المشكلات التي واجهتهم في عملية الترجمة، والتعلُّم منهم.

وإذا أعجبتك ترجمة، ابحث عن النص الأصلي وقارنه بالترجمة، وستعرف كيف برع هذا البارع. وبالمثل إذا قابلتك ترجمة رديئة، انظر في النص الأصلي وتعلَّم من الهفوات التي وقع فيها هذا المترجم وتحاشاها.

اقرأ النصوص المتينة القوية في اللغتين، هذا سيُكسبك سليقة تسهِّل عليك تأليف الجمل والكلمات حينما تشرع في الترجمة، وستصير ترجماتك سلسلة مُستساغة.