إعْجَام

مدونة مروان الرشيد

الوابي-سابي: الجمال في انتفاء الكمال

الوابي-سابي (Wabi-Sabi) هي فلسفة جماليَّة يابانية تدعو لتقبُّل الأمور كما هي، وإيجاد الجمال فيها.

تعود هذه الفلسفة إلى فكر البوذي، وتستمدُّ مفاهيمها من «علامات الوجود الثلاث»: المؤقتيَّة، والمُعاناة، والخواء.

علامات الوجود الثلاث
無常

المؤقتيَّة تعني أن كلَّ ما في الحياة مؤقت، فلا شيء متصفٌ بالديمومة.

المعاناة صفة لازمةٌ للحياة؛ تحيط بالإنسان، وتأتيه في صورة المرض والهَرَم والموت.

الخواء يشير إلى أن لا شيء يتصف بكينونة دائمة، وإنما هو خاوٍ وفي حالة دائمة من التغيُّر.


الوابي-سابي

في المُجْمل، الوابي-سابي هي تقبُّل دورة الحياة الطبيعيَّة؛ من نماء، واضمحلال، وموات. وهي مكونة من كلمتين يصعب ترجمتها من اليابانية، لما لها من خصوصيات ثقافية.

وابي: تعني الجمال المُتحفِّظ، المُتقشِّف، المتناغم مع الطبيعة.

سابي: تعني التقادُم الزمني، كذلك التقدُّم في العمر؛ تقادمٌ فيه جلال ووقار.


المبادئ السبعة للوابي-سابي

١. البساطة

٢. التفاوت

٣. الجمال الدقيق

٤. العفوية

٥. اللطف الخفي

٦. التحرُّر من العادة

٧. السَّكينة

على خِلاف الجماليات السائدة في العالم، لا تُعْنى الجماليَّات اليابانية بالجمال القائم على الاتساق التام والتناظر وانعدام العيوب؛ وإنما تُسلِّم بهذه العيوب وتقبلها، وتُجلُّ الجمال الماثل فيها.

تجد هذا في معاملة القطع والأواني القديمة؛ فعندما تتعرض إحداها للكسر، لا تُلقى بل تُرمم ترميمًا يُظهِر أنها قد أُصلحت بعد أن لحق بها تلف.

عدم تقبُّل الأمور على ما هي عليه هو ما يجعل الناس يلجؤون لعمليات التجميل، لإخفاء معالم التقدُّم بالسن، أو لتغيير صفات خَلْقية لا تنسجم مع معايير الجمال السائدة. كما أنها تجعلهم يستخدمون الفلاتر عندما يلتقطون صورًا لأنفسهم.

ولو اتبعوا هذه الفلسفة، لوجدوا الجمال في هذه المعالم؛ إذ إنها تقف شاهدًا على التجارب والخبرات التي خاضوها ووسمتهم بميسمها، وعلى الصفات الفريدة التي يمتازون به عن غيرهم.


يمكن تطبيق هذه الفلسفة في مجالات حياتية عديدة. فعلى سبيل المثال، في التصميم الداخلي والتدبير المنزلي توصي بما يلي.

الوابي-سابي في تدبير المنزل

قُبُول القِدَم: لا تتخلص من قطعة في منزلك لمجرَّد أنها قديمة، وأنها لا تواكب آخر الصيحات؛ تقبَّل تقادمها، واستشعر الجمال في هذا.

المواد الطبيعيَّة: احرص على أن تكون قطع المنزل مصنوعة من مواد طبيعيَّة وعضويَّة كالخشب، أو من مواد طبيعيَّة كالحديد والخزف والزجاج والرخام. وعمومًا: تجنَّب البلاستيك، واستكثر من الخشب.

الألوان الطبيعيَّة: استخدم ألوانًا توجد في بيئتك الطبيعية، وتجنَّب الألوان الصناعية؛ استخدم زُرْقة البحر، وصُفْرة الشمس، وبياض الثلج، وخُضْرَة المروج.

العفويَّة: لا تتمحَّل لجعل كل شيء يبدو غايةً في الانتظام. دع مساحة للعفوية، واجعل الأشياء تظهر كما يعنُّ لها.


هكذا يُمكن أن تُقدِّم فلسفة الوابي-سابي ترياقًا للمهووسين بالكمال؛ للساعين لإخفاء كل سمات القِدَام، وكل علامات التقدم في السن، أو كل ما يعدُّ عيبًا شكليًّا.

إن «الكمال غايةٌ لا تُدْرَك»، فدع السعي إليه.. واستمتع بالحياة.