
كان فولتير مفكِّرًا فرنسيًّا عاش في عصر الأنوار، وهو عصر اتَّسم بالتشكُّك الحادِّ حيال العالم وطريقة عيش الناس فيه. فيه وجَّه الفلاسفة والكُتَّاب الأوروبيون اهتمامهم إلى السلطات المستقرَّة والمتعارف عليها -كالكنيسة والدولة- مُشكِّكين في صلاحها وأفكارها، بينما كانوا يبحثون عن منظورٍ جديد للعيش على هديه. فحتى القرن السابع عشر، قَبِل الأوروبيون على الأغلب تفسيرات الكنيسة إزاء الموجودات، وكيف نشأت، ولماذا.
ولكنَّ الفلاسفة والعلماء بدؤوا بتبيين طرق مختلفة للوصول إلى الحقيقة. ففي عام 1690، قال الفيلسوف جون لوك بانعدام وجود أفكارٍ فطريَّة (تلك التي نملكها منذ الولادة)، وإننا نحصل على كلِّ الأفكار من خلال التجربة فحسب. وقد اكتسبت فكرته هذه وزنًا هائلًا من خلال إسحاق نيوتن، الذي أبانت تجاربه عن وسائل جديدة لاكتشاف حقائق هذا العالم. وأمام هذه الخلفية من التمرُّد على الموروث، أعلن فولتير أنَّ اليقين سُخْفٌ وعبث.
ينقض فولتير فكرة اليقين من وجهين. أولًا، يشير إلى أنه باستثناء بعض الحقائق الرياضية والمنطقية الضرورية، فإنَّ كلَّ الحقائق والنظريات عبر التاريخ رُوجِعت في وقتٍ من الأوقات؛ لذا فما يبدو أنه «حقيقة» ما هو إلا افتراضٌ ناجع. وثانيًا، يتَّفق مع لوك في انعدام الأفكار الفطريَّة، ويشير إلى أنَّ الأفكار التي نعتقد أنها حقيقة فطريَّة ما هي إلا حقيقة فرضتها علينا الثقافة التي نعيش فيها، وهي تختلف من بلد إلى بلد.

جدلٌ ثوري
لا يقول فولتير بعدم وجود حقائق مطلقة، وإنما يرى عدم وجود وسيلة للوصول إليها؛ وعلى هذا، فإنَّ الشكَّ هو الموقف المنطقي الوحيد في نظره. وبما أنَّ الاختلاف والجدل أمرٌ حتمي، فمن الضروري إقامة نظام يُحقِّق الاتفاق، كنظام العلم.
يُلمِّح فولتير، في زعمه أنَّ اليقين أحلى من الشكِّ، إلى أنه من الأسهل قبول المواقف التي تصدر عن السلطة -كالتي تصدرها الملكيَّة أو الكنيسة- من تحدِّيها واستخدام المرء لعقله. ولكنه يرى ضرورة الشكِّ في كلِّ «حقيقة»، وتحدِّي كلِّ سلطة. ويرى أنَّ من الواجب تحجيم الحكومة، وعدم مصادرة حرية القول، وكذلك يرى أنَّ العلم والتعليم يؤدِّيان إلى التقدُّم المادي والروحي. وهذه كلُّها كانت أفكارًا جوهرية للتنوير، وللثورة الفرنسية التي وقعت بعد أحد عشر عامًا من وفاته.