تكاد تنطبق قاعدة «التخلية قبل التحلية» على كل شأنٍ من شؤون الإنسان، ولا تقتصر على التهذيب الصوفي فقط؛ فلن تُقْبِلَ على التحلِّي بمهارة أو معرفة جديدة إلَّا بأن تُخلِّي ذهنك من المُشْغِلات والمُزعجات التي تصرفك عنها، وفي صدارتها الجوال والإنترنت وما أنطوى عليهما.
وقد استفحلت هذه المشكلة -مُشْغِلَات العصر- حتى استدعت أن تُكتب فيها الكُتب، ومنها هذا الكتاب.

كان العقد الثاني من الألفية الثالثة عقدًا حافلًا بالمُشْغِلات بالنسبة لي. فمع تصاغر حجم أجهزة الكمبيوتر، وتزايد سرعات الإنترنت؛ زاد انكبابي عليها، ما أضرَّ بتركيزي وقدرتي على اكتساب معارف جديدة على نحو غير مُتعجِّل. فهذه الأجهزة تعطيك وهم المعرفة، ولذة الاستكشاف السريع المتنوع.
فثمة اشباعٌ آني (Instant gratification) توفره هذه الأجهزة والمنصات. فقراءة اقتباس هنا، ومشاهدة فيديو من ثلاثة دقائق هناك؛ تُشْعر الإنسان بلذة معرفية فورية، لكنها معرفة سطحية تتلاشى بعد قليل.
أما الانكباب على الدرس والمطالعة فيتطلب تأخيرَ الإشباع (Delayed gratification)، ولكنه يُثمر ثمرة دائمة ولذة مستدامة، متحصلة من استمكان المعرفة أو المهارة.
يقال حاليًّا أنَّ التركيز هو أثمن عُمْلَة في الأسواق؛ ولذا لا بُدَّ من تخلية الذهن من المُشغِلات والمُشتِّتات، ليكون مستعدًا للتحلِّي بالمعارف والمهارات الجديدة.