
بقلم جورج توملينسون، كلية نيويورك الجامعية العامة في أولد وستباري
كتاب جيرالد كوهين «نظرية كارل ماركس في التاريخ: دفاع»1 (سندعوه من الآن فصاعدًا: «الكتاب») يجب أن يُضمَّن في أيِّ قائمة مختصرة للكتب العمدة في المادية التاريخية2، بل في أيِّ قائمة للكتب العمدة في ماركس والماركسية عمومًا. الكتاب، الذي نُشر في عام 1978، مشهور لسببين أساسيين: الأول، أنه يشكِّل أول مواجهة وأهمها (حتى اليوم) بين الفلسفة التحليلية الأنجلو-أمريكية وماركس (وهو يمثِّل النص الأساس في الماركسية التحليلية). والثاني أنه يقدِّم ماديةً تاريخيةً «تقليدية» غير مُساوِمة، «حيث التاريخ -أساسًا- ينمو من القدرة الإنتاجية البشرية، وأنماط المجتمعات تنهض وتنهار وفقًا لتمكينها أو تعويقها لهذا النمو»3. وكما يعرف كل قارئ للكتاب، تركيز كوهين مُنصبٌّ على التفريق بين قوى وعلاقات الإنتاج، ومن ثمَّ بين خصائص المجتمع المادية والاجتماعية (عند كوهين، المادية والاجتماعية من «المتضادات»). وما يهمه، على الخصوص، هو غلبة قوى الإنتاج على علاقات الإنتاج4، التي بموجبها القوى (الأسس المادية -لا سيَّما التقنية- للمجتمع) تحدِّد وظيفيًّا العلاقات (البنية الاقتصادية للمجتمع). وبإيجاز، هذه الديناميكية (وليس الديالكتيك، وهو أمر تتحاشاه الماركسية التحليلية) بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج تعطي التاريخ توجهه التقدُّمي وحركيته5. هكذا نجدنا أمام نظريةٍ في التاريخ تستلهم مقدمة الكتاب الصادر في 1859 «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي»6، لا كتاب «الأيديولوجية الألمانية» ولا «البيان الشيوعي»، ونجد أنَّ نموذجها هو «القاعدة-البنية العلوية» وليس «الحاجة» أو «الصراع الطبقي».
يصعب ألَّا يندهش المرء بتقشُّف مقدمة الكتاب (طبعة عام 2000): «تأمُّلات في الماركسية التحليلية». وما يُدْهِش ليس التوسلات المُتكرِّرة بالوضوح والدِّقة والصَّرامة، فهذه هي الفضائل التي يعرِّف الفلاسفة التحليليون أنفسهم بها، وكوهين يستند عليها -على نحوٍ متوقع- ليعلن أن بيانه للمادية التاريخية أقلُّ «فوضويةً» و«غموضًا» من بيان ماركس7. وإنما المُدهش هو اللغة اللاذعة والرافضة التي يوظِّفها لتمييز الماركسية التحليلية عن غيرها من نظريات المعرفة -على الخصوص «ما يُدعى تفكيرًا «ديالكتيكيًّا»»8. وفي ثنايا المقدمة، يزعم كوهين عدة مرات مزاعم تُفيد أنَّ الفلسفة التحليلية لها -بلا أدنى شك- اليد العليا في اتحادها مع الماركسية: «العملية المصيرية التي أدَّت إلى نشوء الماركسية التحليلية هي رفض زعم أنَّ الماركسية تمتلك مناهج فكرية قيِّمة خاصة بها»، كالمنهج الديالكتيكي، وأنها -على عكس «غريمها» التحليلي- «تزدهر في مناخٍ من التفكير الغامض»9. لذا فالالتزام بطرق «الماركسية التحليلية» «مُطلق ولا رجوع فيه»، «إذ إنه لا يقل عن الالتزام بالعقل نفسه»10. وعمومًا، مصير كلِّ ماركسية غير تحليلية بعد الماركسية التحليلية قُضي فيه: «هناك ماركسية إما تحليلية وإما هراء، ولكن ما إن [...] تلتقي ماركسية ما قبل تحليلية بماركسية تحليلية، فإما تكون تحليليةً وإما تصير هراءً»11. وكيفما يقرأ المرء هذه المقتطفات، من الموحي أنَّ كوهين لا يذكر في المقدمة (ولا في الفصول 12-15، وهي فصول جديدة في طبعة عام 2000) -دع عنك أن يُناقش- عقديْن من النقد العقلاني المصوَّب تجاه الماركسية التحليلية، إذ كان ثمة الكثير من النقد12. وإنما ينخرط في ردود نقدية على الطبعة الأصلية لعام 1978، ولكنه يقتصر على تلك النقود التي: (1) تُسلِّم بالماركسية التحليلية، ومن ثمَّ (2) تنتقد كوهين لأنه لم يكن «تحليليًّا كما ينبغي» (من حيث وجود تناقضات وأوجه غموض عالقة). أما قدسيَّة الماركسية التحليلية بحدِّ ذاتها فليست محلَّ نقاش.
بعد استعراضٍ موجزٍ للمفاهيم المتنافسة عن التاريخ عند هيغل وماركس في الفصل الأول، يبدأ كوهين بجدية عمليته المنهجية المُميَّزة، التي تأخذ في الفصليْن الثاني والثالث شكل تفصيلات مُصطلحية ومفاهيمية (لـ«موضوع العمل» و«قوة-العمل» و«المادة الخام» و«أداة الإنتاج» و«الطبقة» و«نمط الإنتاج» وما شابه)، كلٌّ منها تُدعِّم التفريق المفاهيمي والعلائقي -بين «القوى المُنتجة» و«البنية الاقتصادية» (اسم جامع لعلاقات الإنتاج في مجتمع من المجتمعات13)- الذي يُعرِّف الكتاب. وأسلوبيًّا، يترافق هذا مع سلسلةٍ من الإيضاحات المنطقية-الدلالية المضبوطة، التي تتصف بالدقة الشديدة التي تجعلها أحيانًا غير دقيقة14، وفقرات أشبه بمذكرة قانونية مُفصَّلة أو كُتيِّب تعليمات منها بعملٍ أكاديمي عن ماركس. ولكن من أجل الوصول إلى كُنْه الفرق بين القوى الإنتاجية والعلاقات الإنتاجية -لاستيعاب لماذا للأولى الأولوية، عند كوهين، و«يُفسِّر وظيفيًّا» الثانية- علينا أن نذهب إلى أكثر الفصول أهميةً من الناحية الفلسفية في الكتاب، ذلك الفصل الذي يُحاول أن يكشف عن «التضاد المنهجي عند ماركس [...] بين المادي والاجتماعي»15. وهذا التضاد هو الجوهر الفلسفي لإعادة كوهين هيكلة المادية التاريخية، وإعادة الهيكلة هذه لها تبعات مهمة على فهمه للتاريخ وللزمن التاريخي.
الغاية الأساسية للفصل الرابع، «خواص المجتمع المادية والمجتمعية»، هي تقديم مجالين منفصلين تحليليًّا وأنطولوجيًّا -المادي والاجتماعي- على نحوٍ يتوافق مع التفريق بين القوى الإنتاجية والعلاقات الإنتاجية. وفي هذا المفهوم، قوة الإنتاج ليست «علاقة» تتخذ «طبيعتها غير الاجتماعية [...] صورةً اجتماعية»16. وهنا تكمن الأرضية الفلسفية لـ«نظرية الأولوية» عند كوهين، وهذا يعني أنَّ «طبيعة مجموعةٍ من العلاقات الإنتاجية تُفسَّر بمستوى تطور القوى الإنتاجية التي تحتضنها»17. ومن المثير (بالنظر إلى الرغبة التحليلية التي لكوهين في الاتساق) أنه لا يوجد في الكتاب نظرية مُعدَّلة، ولكن مُقابلة، للعلاقة المادية-الاجتماعية؛ فكوهين لا يكتب شيئًا من قبيل: «طبيعة الاجتماعي تُفسَّر بمستوى التطور المادي الذي يحتضنه». ولكن لا شكَّ أن هذا هو موقفه، الذي يعبِّر عنه تعبيرًا شاملًا بُعيد تأسيس العلاقة المفاهيمية بين «الطبيعة» والمادية18 في هذه الفقرة:
«نحن نُجادل بأن التفريق المألوف بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج -عند ماركس- يُمثِّل واحدةً من التعارضات بين الطبيعة والمجتمع. وقد فشل الشُّراح في ملاحظة كيف أنه غالبًا ما يستخدم «المادي» نقيضًا لـ«الاجتماعي» و«الشكلي»، وكيف أنَّ «طبيعي» تنتمي إلى «مادي» في إزاء «الاجتماعي»، وكيف أنَّ ما يُوصف بأنه مادي هو أيضًا يعدُّ «محتوى» لشكل معين (المصطلحات المادية الأخرى هي «إنسان» و«بسيط» و«حقيقي»، أما «التاريخي» و«الاقتصادي» فهي تُواكب «الاجتماعي»). ومُحصِّلة هذه المتضادات والاستبانات هي أنَّ مادة أو محتوى المجتمع هي الطبيعة، التي تأخذ شكل المجتمع. ومادية ماركس هي عدة أشياء، ولكن تفسير التاريخ الاجتماعي خادمًا للتطوُّر المادي هي إحداها بالتأكيد»19.
مادية ماركس هي عدة أشياء، ولكن أهي حقًا قائمة -بعبارة كوهين- على تضادٍّ منهجي بين المادي (ومن ثمَّ الإنساني والبسيط والحقيقي والمحتوى .. إلخ) والاجتماعي (ومن ثمَّ الشكلي والتاريخي والاقتصادي.. إلخ)، بحيث أنَّ «علاقات الإنتاج ذات طبيعة اقتصادية، أمَّا القوى الإنتاجية فلا»، أو أنَّ «عملية العمل، عندما تُتصوَّر ماديًّا، إنسانية وليست اجتماعية»؟20. وهل «المادي» في مادية ماركس يُفسِّر حقًا -ويُحدِّد فعلًا- الاجتماعي؟
الإجابة المختصرة على السؤالين هي، «لا»: لا يوجد هناك تضاد ممنهج بين «المادي» و«الاجتماعي» عند ماركس، ومن ثمَّ فالأول لا يُفسِّر ولا يُحدِّد الثاني. وجملة القول إن «المادي» و«الاجتماعي»، عند ماركس، تعبيران مختلفان عن الشيء نفسه: النشاط البشري الحسي (الذي على مستوى الأنطولوجيا التاريخية هو العمل). ولكن قبل المضي إلى الآثار التي لهذا الأمر على الكتاب، ينبغي علينا أولًا أن نوضِّح -باستخدام مصطلحات ماركس- لماذا التضاد الممنهج الذي يضعه كوهين خاطئ21.
إعادة هيكلة ماركس النقدية لمفهوم المادية تمتد عبر جميع كتاباته، ولكنها تبتدئ بكتابه الصادر عام 1845: «أطروحات حول فويرباخ» (سأسميه من الآن فصاعدًا: «الأطروحات»)، الذي يرفض فيه فكرة أن موضوع الحس الظاهري [Gegenstand] يُستوعب من خلال الحدس، أو باعتباره موضوعًا للمعرفة [Objekt] لا غير. والأطروحات تستهدف مباشرةً المادية «القديمة» أو «الجوهرية» أو «القائمة على المادة» (وهي الأطروحات التي تُنسب جدليًّا واختزاليًّا إلى فويرباخ)، وهذا لأجل إفساح المجال لمادية «جديدة» أو «عملية» أو «إنسانية». ووفقًا لماركس، العيب الرئيس في المادية القائمة أنها ما قبل كانطية: إذ إنها لا تمتلك تصوُّرًا سليمًا للذات. وفي الوقت ذاته، ينتقد ماركس طبيعة التكوين الذاتي للموضوعية عند كانط (وهو التصوُّر الذي يأخذ به فويرباخ). وبهذا المعنى، الأطروحات هي امتداد نقدي للعلاقة بين الذات-الموضوع في الأبستمولوجيا الحديثة التي دشنها كانط؛ وهي امتدادٌ لأنها تعطي لمحةً لأول مادية للذات في التقليد اللاحق للكانطية، وهي نقدية لأنها ترفض الطبيعة السلبية حسيًّا ومن ثمَّ النشطة مثاليًّا في العلاقة بين الذات-الموضوع في منطق كانط المُتعالي. ولأن الأطروحات تُعلِن أنَّ الموضوعية والحسيَّة والفعلية لا تُفهم ذاتيًّا في النقاشات القائمة للمادية، فإن ماركس يواجه الميتافيزيقا القديمة للمادة والديناميكية الذاتية عند كانط على حدٍّ سواء. وتحوُّل موضوع الحس الظاهري [Gegenstand] الذي يحضر في الذهن من خلال الحدس إلى موضوعٍ للمعرفة [Objekt] هي حركة من السلبية الفعلية إلى النشاط المثالي، الذي يُعرِّف الذات عند كانط. وهي حركة تجيز كلية وضرورية التصورات المحضة للفهم. لذا فالقول (كما يفعل ماركس) إن الموضوعية والحسيَّة والفعلية لا تُستوعب ذاتيًّا عبر «مادية قائمة حتى الآن»، يوحي -ضد كانط- بأن الذات ليست سوى «نشاطٍ إنسانيٍّ حسيٍّ»، وليست شيئًا غير ممارسة. وكما يقول إتيان باليبار، بعد الأطروحات «... الذات الحقيقية الوحيدة هي الذات العملية أو العملية بذاتها أو -أفضل من هذا وذاك- أن الذات ليست إلَّا مُمارسة قد بدأت بالفعل وستستمر إلى أجلٍ غير مسمى»22.
ثمة نتيجتان لهذه المادية العملية. الأولى، الأطروحات -بوصفها نقدًا أبستمولوجيًّا لنقاشٍ أبستمولوجي- تجعل العلاقة بين الذات-الموضوع ديالكتيكيةً، بحيث أن «النشاط الإنساني الحسي» يزعزع أيَّ حاجزٍ بديهيٍّ بين الذات والموضوع، بين «العارف» و«المعروف». وفي هذا السياق يزعم وال ستشجنغ أنَّ الذات والموضوع ليسا متشكِّلين قبل الممارسة، بل يتشكلان فيها23. والثانية، أنَّ إعادة تعريف ماركس التأمُّلية للذات بوصفها ممارسة، تفرض نفسها نيابةً عن الأساس الأنطولوجي لهذه المناقشة الأبستمولوجية. وهكذا، الذات والموضوع -اللذان يصيران «نشاطًا حسيًّا» من الجانبين- يصبحان عند ماركس الاشتقاقات الأبستمولوجية لممارسة أساسية أنطولوجيًّا. وفي تحويله لمشكلة أبستمولوجية محضة، يمكِّن ماركس من نشوء مفهوم «الممارسة» الذي ينتقل ديالكتيكيًّا على نحوٍ متفاوت بين الأبستمولوجيا والأنطولوجيا. وإن أسس هذا المفهوم للعلاقة بين الذات-الموضوع في الأبستمولوجيا الحديثة، فـ«الضمير المتصل: هي» و«الممارسة» في الأطروحة «الذات هي ممارسة» هما فعل الكينونة والمحمول لأي قضيةٍ فلسفيةٍ، وهما -على إثر هيغل- لحظات ديالكتيكية لهوية تأمُّلية.
وإجمالًا، «المادي» في مادية ماركس الجديدة هي الممارسة بحدِّ ذاتها. و«المادية» (سواءً أكانت ذاتيةً أو موضوعيةً) ليست المادة: فهذه هي المادية القديمة التي يرفضها ماركس، ومع ذلك فهي المادية التي ينسبها كوهين خطأً إلى ماركس24. ولكن لأجل أن نُكمل هذا النقد للكتاب، علينا أيضًا أن ننظر في إعادة تعريف ماركس لـ«الإنسان» في الأطروحات. أول جملتين في الأطروحة السادسة مفيدتان:
«يُحلل فويرباخ الجوهر الديني إلى الجوهر الإنساني، ولكنَّ الجوهر الإنساني ليس تجريدًا يسكن كل فرد. ففي وجوده الفعلي [Wirklichkeit] هو مجموع العلاقات الاجتماعية»25.
في البداية، لا يُناقش ماركس معنى «الإنسان» في إعادة تعريفه للموضوع المادي بوصفه ممارسةً إنسانية حسية. أما في هذه الأطروحة، فهو يواجه «الجوهر الإنساني» على نحوٍ يؤكد أن ماديته «جديدة». وما يؤسِّس هذا التوكيد -بحيث تظهر المفاهيم الجديدة لـ«الإنسان» و«الجوهر»- هو حقيقة أن ماركس يطرح هذه المسألة بصراحةٍ على مستوى التحقُّق الفعلي26. ومفهوم ماركس ليس جديدًا لأنَّ هذا الإنسان مُتحقِّق فعليًّا، فإطلاق هذا الزعم يعني نسيان مديونية ماركس لموقف هيغل في كتاب «علم المنطق» أنَّ الذاتية تحلُّ في الامتلاء الملموس للمُجرَّد في الوعي. وإنما هو إنسان جديد مفهوميًّا لأن التحقُّق الفعلي هنا اجتماعيٌّ دون لبس. فالجوهر الإنساني، منذ اللحظة الأولى، «مجموع العلاقات الاجتماعية». وماركس يستخدم عن قصد المصطلح الفرنسي «ensemble» ليُشير إلى وحدةٍ سائلة ومنفتحة وغير محددة، تتحاشى -ضد هيغل- «الاكتمال التراتبي المتصل فلسفيًّا بالمصطلحات الألمانية للكُليَّة [Totalität] والشمولية [Ganze]»27. وبعيدًا عن تمثيل الإنسان بوصفه فردًا مُنفصلًا له صفات مُتأصِّلة28، يزعم ماركس هنا أن الكيفية التي تُنتج بها هذه الصفات وتُنشر اجتماعيًّا هي ما يُحدِّد الطبيعة الجوهرية. وبهذا الاعتبار، «المادي» في مادية ماركس هو الوحدة العملية لمجموع العلاقات الاجتماعية. ومن ثمَّ فالمقابلة المُمنهجة بينهما عند كوهين خاطئة: فالمادي هو الاجتماعي (وغنيٌّ عن القول إن الإنسان اجتماعيٌّ على نحوٍ لا فكاك منه). وأخيرًا، حريٌّ بي القول إنه بعد كتاب «الأيديولوجية الألمانية»، استَبدل «العملُ» مفاهيميًّا «النشاط الإنساني الحسي»، إذ إنَّ العمل -عند ماركس- «يؤرِّخ». وبوصف العمل هو «مادة» المادية التاريخية، فهو يُكوِّن التاريخ. وجريًا على هايدغر، العمل لا يصنع الزمن فحسب بل يجعله تاريخيًّا: إنه يخلق الزمن الذي بحدِّ ذاته يُكوِّن التاريخ.
هذه الجولة الفلسفية في إعادة بناء ماركس للمادية هي الأساس الذي يمكن منه التشكيك في مزاعم الكتاب الأساسية (خصوصًا «نظرية الأولوية»). فعندما يقول كوهين -كما أسلفنا- إن «علاقات الإنتاج ذات طبيعة اقتصادية، أما قوى الإنتاج فليست كذلك»29، ثمة ما هو مُفارق منطقيًّا في حقيقة أن «المحرك الأول» -إذا استخدمنا العبارة التقليدية- للتاريخ والزمن التاريخي يقع خارج التاريخ (بالعبارة الكانطية، حالة خارج-تاريخية (extra-historical) لإمكانية التاريخ)، بقدر ما أن الوضع التاريخي للقوة الإنتاجية لا يؤكَّد إلا في أعقاب تحديدها للعلاقة الإنتاجية. وهذا يشير إلى إحدى النقاط المُميِّزة للكتاب: عدة مفارقات، عندما تؤخذ معًا، تلقي بظلال شكٍّ جديٍّ في الاستدامة الفلسفية والسياسية لماركسية كوهين التحليلية. ومن المفيد أن ننظر في اثنتين من المفارقات المهمة لننهي بها هذه المراجعة.
المفارقة الملحوظة الأولى في الكتاب هي التجاور بين شروح دقيقة جدًا لمصطلحات مفاهيمية مهمة (على سبيل المثال: «قوة إنتاج»، «علاقة إنتاج»، «قاعدة»، «بنية علوية») واستنطاق مقدمات الشروح التي تختلف عن كوهين من جهة، ومن جهة أخرى القبول الصامت لمفاهيم أخرى مركزية لحجة كوهين («الأيديولوجية»، «الصراع الطبقي»، وخصوصًا «التقنية») بوصفها مفاهيم بديهية لا تتطلب إلا رصها مع الوضوح والصرامة المحفوظة للمفاهيم الأخرى.
ومن المثير للاهتمام، على سبيل المثال، أنه لا يوجد في الكتاب تحليل مُخصص لمفهوم التقنية (عند ماركس أو كوهين) على الرغم من أهميته الكبرى لفهم كوهين للقوى المنتجة30. ولا يوجد في الكتاب شيء يشابه -دع عنك أن يتجاوز- المعنى اليومي والأدنى لـ«التقنية» باعتبارها مجموعة الأدوات والطرائق والآلات التي يتخيلها البشر ويصنعونها ويستخدمونها لتلبية حاجاتٍ اجتماعية (الفهم الأساسي الوسائلي للتقنية). هل هذا مثالٌ فردي على فشل كوهين في الارتقاء إلى معياره التحليلي -ليس «تحليليًّا كما ينبغي»- أم إنه مؤشر على مشكلة أكبر في الماركسية التحليلية بحدِّ ذاتها؟
أرى أنها الثانية: ثمة مشكلة بنيوية هنا. إذ يوجد توتُّر بنيوي في صميم الماركسية التحليلية31: فرفضها المنهجي للديالكتيك بوصفه «تحليليًّا» يتعارض مع تقبُّل التناقض الفعلي في الماركسية، ومن ثمَّ تخلق انفصالًا بين النظرية والفعلية أكبر حتى من ذلك الذي حاول ماركس -وقبله هيغل- تجاوزه بحسم. وبعبارة أخرى، الماركسية التحليلية (وهذا ينطبق عمومًا على الفلسفة التحليلية أيضًا) تُمثِّل نمطًا من بناء-العالم هو في نفس الوقت صورة معينة من الفرار-من-العالم. فعالم كوهين -في صميمه- شبيه بعالم فيتغنشتاين الأول: الحقائق في فضاء منطقي. وفي هذا الاعتبار، المفارقة الملحوظة الأخرى في الكتاب هي أن هذا الكتاب الذي لا يسلِّط الضوء على نظرية ماركس للتاريخ فحسب بل يدافع عنها أيضًا، يبدو في أحسن الأحوال غير مبالٍ، وفي أسوأها معادٍ للتجربة العالمية-التاريخية للرأسمالية. كيف بالتحديد؟ كيف لنا أن نُسوِّغ هذا الزعم؟
كوهين يقدِّم قراءةً «تقليديةً»32 بلا حياء للمادية التاريخية: التاريخ يتقدَّم بالتوسيع الميكانيكي للقوى الإنتاجية، متخليًا عن العلاقات الإنتاجية ما إن تُصبح مقيدةً للقوى، ومن ثمَّ يجهز الساحة لثورات تخلق قوى وعلاقات أعلى وأجد. وسهم التطوُّر يؤشِّر إلى الأعلى بلا هوادة («التراجع محرَّم» ومرة أخرى «الإجهاضات [...] من المضمون ألَّا تحدث»33)، ومعها سهم التاريخ يشير إلى الأمام دائمًا: الزمن التاريخي محبوك وفقًا لجدولٍ زمني وله حُقَب وفقًا لـ«قصة المراحل الأربع» المشهورة34. ووصف هذا بأنه رؤية «تقليدية» للتاريخ وللزمن التاريخي يعدُّ تقليلًا من وصف الأمر. وكوهين ينفي التهمة، ولكن هذه صورة من صور الحتمية التاريخية ولا جدال: عندما يكون موضوع التاريخ «طبيعيًّا»، ماديًّا لا-اجتماعيًّا، على النقيض من العمل الاجتماعي، يُرهن الحاضر لمستقبلٍ معلوم. وبعبارة أخرى، وعدُ المستقبل المفتوح رهنٌ محبوس، ما يجعل الحاضر التاريخي تتابعًا مُبتذلًا. الحتمية التاريخية تحاول إسكات عوارض التاريخ التي لا تزول، وعلى الخصوص العوارض الجذرية للسياسة. ولذا قِيلت مقولات من قبيل الثورة الروسية «سابقة لأوانها» لأن «القوى الإنتاجية لم يكتمل تطورها»35 في روسيا (كما لو أنَّ عام 1989 نتيجة محتومة لعام 1917).
ومع ذلك فأساس عدم مبالاة كوهين -بل عدوانيته- المذكورة سابقًا، يوجد في محو الاستعمار والعنصرية وكراهية النساء -وبكلمة: العنف- الذي هو تاريخيًّا ومنطقيًّا في صميم رأس المال. وبالقدر المحدود جدًّا الذي يتناول به الكتاب العنف، فهو يأخذ الموقف الضمني القائل إن الحيوات المُجندرة والمُعنصرة «إضافات» إلى العمليات المادية والاجتماعية الأكثر حيويةً، وليس هناك حاجة إلى تصوُّرها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من حياة الرأسمالية. وسواءً أكان هذا هو موقف كوهين أم لا، مسألة خارجة عن الموضوع؛ لكنها تتجلى في مزاعم من قبيل: «العبودية والقِنانة هما من حيث المبدأ مناقضتان للإنتاج لغاية مراكمة رأس المال» و«العبودية وقوى الإنتاج المُحسَّنة والراقية تلغيان بعضهما بعضًا» وعليه «الجنوب [الأمريكي] قبل الحرب الأهلية لم يكن مُمكنًا إلا لأنه كان استثناءً [...] تشوُّهًا في بنيةٍ اقتصاديةٍ رأسماليةٍ طبيعية»36. وهذه المزاعم ليست خاطئةً فحسب -هناك تلازم مُباشر بين العمل المُستعبد الرأسمالي وتوسيع القوى الإنتاجية- بل تقوم أيضًا على فصلٍ زائف بين «منطق» و«تاريخ» رأس المال، كما لو أنَّ التاريخ والزمن التاريخي ليسا مُتأصليْن في التطور الممنهج للقيمة-الشكل في كتاب رأس المال. وفي هذه الحالة، هذه المزاعم تنفي العنصرية القائمة في صميم العلاقة بين الرأسمالية والعنصرية37.
الكتاب يُشعرك أنه مُتقادم، فمنذ نشره عفا عليه الزمن بالنظر إلى الضجة التي أعلن عن نفسه فيها. وغنيٌّ عن القول إن إعلان كوهين، أنه بعد الماركسية التحليلية صارت الماركسية غير التحليلية هراءً، لم يؤتِ ثماره (من الملاحظ أن هذا الإعلان ما زال قائمًا في طبعة عام 2000، بعد مضيِّ ذروة الماركسية التحليلية في ثمانينات القرن العشرين). وعلى الرغم من أنَّ الفلسفة التحليلية لم تتمكَّن من الماركسية على النحو الذي تمكنت فيه من الفلسفة عمومًا، ما زال علينا أن نرى ما إذا كان ثمة لقاءات مُنتجة وغير مطروقة بين الفلسفة التحليلية والماركسية. الكتاب لا يصلح كفلسفةٍ ماركسية للتاريخ، ولكن ما يزال مستقبل الماركسية التحليلية موارَبًا.
الهوامش
1. تركيز هذه المراجعة سينصب على طبعة عام 2000 المزيدة: جيرالد كوهين «نظرية كارل ماركس في التاريخ: دفاع» (أوكسفورد: مطابع جامعة أكسفورد، 2000). أهم سمة لهذه الطبعة الجديدة مقدمتها، التي تناول فيها كوهين «تأملات في الماركسية التحليلية».
2. جريًا على عادة كوهين، أستخدم مصطلح «المادية التاريخية» كاختزال لمفهوم ماركس للتاريخ، ولكن من المهم الأخذ بالاعتبار -كما يؤكِّد ماسيميليانو تومبا- أن «المادية التاريخية»، بوصفها نظريةً للتاريخ أو مفهومًا ماديًّا للتاريخ، ليس لها وجود». انظر كتاب ماسيميليانو تومبا «Marx’s Temporalities»، ترجمه بيتر دي. توماس وسارة آر. فاريس (شيكاغو: هاي ماركت بوكس، 2013)، ص. 7. وجوهر المسألة هنا أنَّ ماركس لم يستخدم مصطلح «المادية التاريخية» في أعماله قط، وكون أن مفهوم المادي الناشئ للتاريخ في «الأيدولوجية الألمانية» -كما أكدت في موضع آخر- يُزعزع التقليد المُقنَّن المعروف باسم «المادية التاريخية»، الذي يُشار إلى سلطته غالبًا باستخدام الأحرف الكبيرة.
3. كوهين، الكتاب، ص. 10.
4. المرجع نفسه، ص. 134.
5. عندما يتعلَّق الأمر بالتقدُّم التاريخي، «الإجهاضات [...] من المضمون ألَّا تحدث». المرجع نفسه، ص. 142.
6. وجود الكتاب مُرتهن بمقدمة عام 1859. فأهم فقرة فيه تؤطِّر الكتاب، وتوفِّر -كما يقول كوهين لاحقًا- «دليلًا على ديمومة منظور المقدمة في فكر ماركس الناضج»، ثم إنه يصفها بأنها من «الكتب العمدة» المرجع نفسه، ص. 142، 375.
7. المرجع نفسه، ص. 9.
8. المرجع نفسه، ص. 17.
9. المرجع نفسه، ص. 17، 24.
10. المرجع نفسه، ص 24. إنَّ «مقاومة التفكير التحليلي ظلامية لا عقلانية».
11. المرجع نفسه، ص. 26.
12. انظر على سبيل المثال: ماركوس روبرتس، الماركسية التحليلية: نقد (لندن: فيرسو، 1996)، وشون سايرز «الماركسية والمنهج الديالكتيكي: نقد جيرالد كوهين»، الفلسفة الراديكالية 36 (ربيع عام 1984)، ص. 4-13.
13. كوهين، الكتاب، ص. 63.
14. على سبيل المثال: «النشاط العملي ليس مستخدمًا في الإنتاج، إنه هو الإنتاج»، أو «الصور التي تتخذها قوى الإنتاج في تطورها، حتى وإن لم تكن بنفس وسائل هذه الصور». المرجع نفسه ص. 47، 171.
15. المرجع نفسه، ص. 30.
16. المرجع نفسه، ص. 28، 90.
17. المرجع نفسه، ص. 134.
18. «الوصف المادي يستوعب الطبيعة الكامنة للمجتمع». المرجع نفسه، ص. 96.
19. المرجع نفسه، ص. 98. هذه الفقرة تُقوِّض زعم كوهين أنَّه «لا يمكن استنباط الخواص الاجتماعية من الخواص المادية [الرجال والقوى الإنتاجية]، إذ إنّ الآلة تبقى آلة إن تجاهلنا «خواصها الاقتصادية والاجتماعية». المرجع نفسه، 91-92. إن كان الفرق بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج يمثِّل «إحدى المجموعات المتباينة بين الطبيعة والمجتمع»، فلا بد أنَّ بعض الخصائص الاجتماعية يتعين استنباطها من أسسها المادية.
20. المرجع نفسه، ص. 29، 101.
21. حجة شبيهة ومقنعة هي في مقالة تشارلز دبليو. ميلز «هل من المهم وجود «مادة» في المادية التاريخية؟»، إنكوري 32:3 (سبتمبر 1989)، ص. 323-342.
22. إتيان باليبار، فلسفة ماركس، ترجمة كريس ترنر (لندن: فرسو)، ص. 25.
23. وال ستشجنغ، ماركس والفلسفة: ثلاث دراسات (لندن: بالغرايف ماكميلان، 1986) ص. 57.
24. المصطلحان «material» و«matter» يُستخدمان على سبيل الترادف في الكتاب.
25. كارل ماركس، Thesen über Feuerbach، في المجموعة الكاملة لأعمال ماركس وإنجلز، ص. 6. الترجمة لي، وقد أُضِيف التشديد.
26. باليبار، فلسفة ماركس، ص. 28-29.
27. بيتر أوزبورن، كيف تقرأ ماركس (لندن: غرانتا بوكس، 2005)، ص. 30.
28. هذا بعيدٌ كل البعد عن نظرية الاختيار العقلاني التي تدفع كوهين، حيث إنَّ «الإنسان» هو في جوهره فردٌ يسعى عقلانيًّا في تحقيق مصالحه ليُحسِّن حياته. انظر كوهين، الكتاب، ص. 18، 152. فعند كوهين، الرأسمالية غير عقلانية -إنها تنتهك «العقل بحدِّ ذاته»- لأنها تُفسد بنية تفضيلات الأفراد (الذين يتصفون أصلًا بالعقلانية)، وتُعيق قدرة العامل على تعظيم منفعته الحدية. المرجع نفسه، ص. 319، 321. ومن المثير أن مفاهيم ونظريات في الاقتصاد الكلاسيكي المحدث تستخدم لنقد الرأسمالية.
29. المرجع نفسه، ص. 29.
30. المرجع نفسه، ص. 179. يُقر كوهين أن العديد ينتقدون الكتاب بوصفه دراسة حالة في الحتمية التقنية. وهو يتقبَّل تهمة التقنية، لكنه يتجاهل تهمة الحتمية. المرجع نفسه، ص. 147. وسأتناول المزيد عن الحتمية التاريخية في الكتاب بعد قليل.
31. أعي أن هناك أكثر من «ماركسية تحليلية» واحدة، ولكني أستخدم نسخة كوهين في الكتاب بوصفها مثالًا على مُشكلات توجد في جميع الأنواع بدرجات مختلفة.
32. المرجع نفسه، ص. 10.
33. المرجع نفسه، ص. 142.
34. من حيث الترتيب، المراحل الأربع هي: «المجتمع اللاطبقي البدائي»، «المجتمع الطبقي ما قبل الرأسمالي»، الرأسمالية، «الشيوعية اللابدائية» أو «المجتمع اللاطبقي الحديث». المرجع نفسه، ص. 364-365. «وهذه هي قصة البشرية، وفقًا للمادية التاريخية». المرجع نفسه، ص. 365.
35. المرجع نفسه، ص. 392.
36. المرجع نفسه، ص. 187، 191، 185.
37. من المهم ملاحظة استحالة التوفيق بين الكتاب ومفهوم ماركس لـ«التراكم الأولي» [ursprüngliche Akkumulation] في كتاب رأس المال (الذي يؤدِّي دورًا منطقيًّا وتاريخيًّا في الوقت نفسه). لا يذكر كوهين التراكم الأولي في الكتاب، لكن يكفي القول إن توكيد ماركس أنَّ «في التاريخ الفعلي [...] الفتح والاستعباد والسرقة والقتل، وباختصار: العنف، تؤدي أكبر دور» يخلق مشكلةً فلسفيةً كبيرةً لكوهين. انظر، كارل ماركس، رأس المال: نقد للاقتصاد السياسي، الجزء الأول: عملية إنتاج رأس المال. ترجمة: بَنْ فوكس (لندن ونيويورك: بينغوين بوكس، 1976)، ص. 874.
نُشرت الترجمة أولًا في المجلة السعودية للدراسات الفلسفية، العدد الثاني.
اقرأ أيضًا: هل توجد قوانين للتاريخ؟، وهربرت ماركوزه (1898-1979): الموجود لا يمكن أن يكون حقيقيًّا.