وعدُ الذكاء الصناعي


الذكاء الصناعي ووعده

هل يمكن اختزال التفكير في سلسلة من العمليات المنطقية التي يمكن أن يُنفِّذها أيُّ أحد، بما في ذلك الآلة؟ فلاسفة التنوير -بما فيهم غوتليب ليبنتز وتوماس هوبز ورينيه ديكارت- فكروا بإمكانية مقاربات آلية للذكاء. وفي عصرنا هذا، مكَّنت تقنية الكمبيوتر خوارزميات الذكاء الصناعي من التفوق على البشر في مهام مختلفة من قبيل لعب الشطرنج وقيادة الطائرات وتشخيص الأمراض والتعرُّف على صور القطط في الإنترنت، إلى جانب أمور أخرى. وقد تكهَّن البعض أن المزيد من القدرة الكمبيوترية ستُمكِّن هذه الخوارزميات من تحقيق مستوى إنساني، أو ربما فوق إنساني، من الذكاء. أم أنَّ هناك عثرةً لا يمكن تجاوزها في طريق تحقيق ذكاء صناعي على المستوى الإنساني؟

يجادل براين كانتول سميث -وهو أستاذ كرسي رييد هوفمان للذكاء الصناعي والإنسان في جامعة تورنتو- في كتابه المُشوِّق «وعد الذكاء الصناعي: التقدير والحُكْم» أنه لا توجد أشكال حالية أو مستقبلية للذكاء الصناعي يمكن أن تقود إلى ذكاء حقيقي. فوفقًا لسميث، العائق ليس في القدرة الكمبيوترية، وإنما في الحقائق الأنطولوجية والأبستمولوجية المُتعلقة بالكيفية التي تنخرط بها الخوارزمية الإلكترونية مع العالم وفيه، كما سأُبيِّن بعد قليل.

يُفرِّق سميث بين «التقدير» و«الحُكْم» باعتبارهما نوعين من التفكير. التقدير -وهو نتيجة سلسلة من الحسابات- يمكن أن يكون متطوِّرًا، وفي العديد من الحالات تتجاوز الكمبيوترات قدرة البشر في هذا الاعتبار؛ فعلى سبيل المثال، بعض برامج الشطرنج يمكن أن تهزم أيَّ لاعبٍ بشري. وعلى النقيض من هذا، الحُكْم يدلُّ على تفكيرٍ مُتجرِّدٍ ومُتروٍّ، يسترشد بالالتزامات الأخلاقية، وينتُج عنه أفعالٌ تُناسب الحال. وفي رأي سميث، أنَّ غالبية ما ندعوه «ذكاءً» ما هو إلَّا استخدام الحُكْم بهذا المعنى للعمل بمهارة في بيئات تتصف بعدم اليقين وينقصها التعريف على نحوٍ مُناسب. وهو أشبه بمفهوم الحكمة العملية (Phronesis) الإغريقي منه بالعملية المنطقية الاستنباطية. ويجادل سميث أن جميع المقاربات القائمة والمُخطَّط لها للذكاء الصناعي مقصورة على التقدير وليست قادرةً على الحُكْم.

يبدأ تحليله بمراجعة موجزة لمُختَلف مقاربات الذكاء الصناعي وافتراضاتها الفلسفية والقيود المفروضة بهذه الافتراضات. «الموجة الأولى» من الذكاء الصناعي (الذي يسميه أيضًا الفيلسوف جون هوغلند «الذكاء الصناعي القديم الطراز») افترضت أنَّ التفكير يتألَّف من تأدية عمليات رمزية على رموز-موضوع موجودة مُسبقًا ومُعرَّفة جيدًا (وكانت نسخةً إلكترونيةً من نموذج «التفكير باعتباره حسبةً رياضية» الذي قدمه توماس هوبز في كتابه عن الجسد في 1655). بحلول نهاية السبعينات من القرن العشرين، كان واضحًا أن هذه المقاربة قد وصلت إلى حدودها القصوى. فإلى جانب الصعوبة العملية المتمثلة في التعرُّف على الأشياء المُختلفة من بيانات الاستشعار الأولية (المعلومات المُدخلة إلى الذكاء الصناعي من خلال الكاميرات، على سبيل المثال)، هناك طرق كثيرة لا يكون فيها العالم متكوِّنًا من أشياء منفصلة مُتمايزة فعليًّا (أنطولوجيًّا) ولا معنويًّا كمبيوتريًّا (أبستمولوجيًّا). لذا فمع أنَّ هذه الموجة الأولى من الذكاء الصناعي يمكنها إثبات المبرهنات الهندسية أو أن تلعب الشطرنج على نحو مقبول، إلَّا أنها تقصر عن المهام اليومية الأساسية كالتعرُّف على صور القطط. الموجة الثانية من الذكاء الصناعي (المعروفة أيضًا باسم «تعلُّم الآلة») تتصدى للصعوبات العملية المتعلِّقة بتقدير طبيعة البيئة من بيانات الاستشعار، بما فيه تحديد المواقع والتعرُّف على أشكال الأشياء، ولكن ليس المسائل العميقة المتصلة بالحُكْم التي تتولَّد عن الانخراط كشيء آخر في العالم. ومقاربات تعلُّم الآلة «تتعلَّم» الأنماط التي تحتاجها لتصنيف الأشياء، أو على الأقل تتعلَّم القيم الرقمية المرتبطة بالأشياء من كمية كبيرة من بيانات الاستشعار الأولية. ضَعْ في بالك كمبيوترًا يتعلَّم التعرُّف على القطط من بكسلات الصور. وعلى النقيض من الموجة الأولى من الذكاء الصناعي، يستخدم التعلُّم الآلي الاستقراءات الإحصائية التي تُجرى في عدة خطوات منطقية، ولكنها تُبنى باستخدام أعداد كبيرة من الأمثلة التي تتضمَّن عددًا كبيرًا من المتغيِّرات المُترابطة ترابُطًا ضعيفًا. فعلى سبيل المثال، باستخدام الملايين من صور القطط -حيث البكسلات الفردية ليست متصلة بحدِّ ذاتها بـ«القط»- سيُعلِّم النظام نفسه أن يتعرَّف على الصور التي تحتوي قططًا، ويقارنها بالصور التي لا قطط فيها. ولكن على الرغم من هذا الأداء المُبهر لهذه الخوارزميات، فهي ما تزال تقع في تصنيف سميث في خانة «التقدير».

المشكلة التي تَحُول بين الكمبيوترات وتطوير مَلَكة الحُكْم، وفقًا لسميث (الذي يقتبس هوغلند)، هي أنه حتى الموجة الثانية من خوارزميات الذكاء الصناعي «لا تُبالي»؛ أيْ أنها لا تتحمَّل عواقب نتائج مُخرَجات التقدير. فمُخرَجات التقدير لا تعني شيئًا لها، ولا يبدو أنه من الضروري أن تكون كذلك. ولا توجد خوارزمية ستشعر، أو يمكن -حتى من حيث المبدأ- أن تشعر بالإحباط من استحالة إحدى المُدخلات، أو أن تُعبِّر عن استياءٍ أخلاقي إزاء النتيجة. فتقديرُ أنَّ مجموعةً من البكسلات يجب أن تُصنَّف على أنها «قطة» شيء، أمَّا رفض إجراء التصنيف لأنها ستصير وجبةً في قائمة العشاء ومن ثمَّ تنتهك قاعدةً أخلاقيةً شخصيةً أو اجتماعيةً فشيء مختلف تمامًا. وأن ترفض أن تجري هذا التصنيف لأنها تعلم وتهتم أنه قد يتسبَّب بانزعاج الضيف (خلقُ أذى اجتماعي) أو تجعله يجوع (تتسبب بأذى جسدي شخصي) يعني الذهاب خطوة أبعد. فكلُّ هذه الاستنتاجات تتطلَّب أحكامًا قرائنيَّة وحسبةً للعواقب تتناسب مع الفاعلين المعنيِّين. وهذه المتطلبات ليست مُتوافرة في أيِّ من مخططات الذكاء الصناعي المُقترحة.

من منظورٍ أخلاقيٍّ -وأيضًا قانوني- أن يكون لك مصلحةٌ ما في النتيجة أمرٌ ضروريٌّ لكونك مسؤولًا عن القرار المُتعلِّق بالنتيجة. ويقول سميث إن اتخاذ قرار من هذا القبيل من ضرورات الحكم باعتباره صورةً من صور الذكاء الحقيقي أيضًا. ويجادل أنَّ إضافة المزيد من البيانات أو القدرة الكمبيوترية إلى المقاربات الحالية لا يمكن أن تُغيِّر هذا النقص الجوهري الذي يسري خلال أجندة بحث الذكاء الصناعي الحالي؛ إذ لا يمكنها أن تُحوِّل مُجرَّد التقدير إلى حُكْم.

عند سميث، جميع الكائنات الحية -بغضِّ النظر عن مدى تطوُّر تقديرها للعالم- لها التزام ما إزاء العالم. وبالفعل قد يكون لقراراتها عواقب حياة أو موت. وعلى عكس نظيرتها الصناعية الحالية، «إرادة الحياة» هذه (مع كامل التقدير لآرثر شوبنهاور) تجعل الكائنات الحية مسؤولةً على نحوٍ حقيقي عن تسجيل الأشياء بوصفه أساسًا لحكمها. وبعبارةٍ أخرى، إن لم تكن ردة فعل الكائن تجاه العالم قائمةً على صورةٍ واقعيةٍ لما يحدُث فيه، فسيكون في مأزقٍ حقيقي! لذا فمشكلة وضع مَلَكة الحُكْم في الآلة قد لا تكون بسبب أن الذكاء الصناعي يفتقر إلى قدرات تفكير كافية ليتخذ قرارًا، وإنما لأنه يفتقر إلى جسدٍ يمكن أن يعاني من العواقب.

هذه حُجَّة مثيرة على الخصوص لقُرَّاء الفلسفة المهتمين بالأنطولوجيا أو الأبستمولوجيا أو الوعي أو الأخلاق (خصوصًا أخلاق الفضيلة). وسميث مُتعاطف بصراحةٍ مع النظريات المادية للعقل، ويُصرِّح غير مرةٍ أنَّ حُججه لا تستبعد الإمكانية النظرية لوجود ذكاء صناعي حقيقي. ويُحاجُّ بأنَّ المشكلة ليست في كونه «صناعيًّا»، وإنما المشكلة في أنَّ المقاربات الحالية للذكاء الصناعي تفتقر إلى الالتزام الضروري لخلق استيعاب صناعي لواقع الأشياء، وخلق فاعلٍ مُقرِّرٍ منخرطٍ حقيقيٍّ في عالمٍ مُشترك.

اقرأ أيضًا: مستقبل الفلسفة هو السايبورغ، ورَكِّز!.

نُشرت المراجعة الأصلية بالإنجليزية في مجلة Philosophy Now، العدد 144 (يونيو/يوليو 2021).

الصورة: Erik Pitti from San Diego, CA, USA، بترخيص CC BY 2.0، عبر ويكيميديا كومنز.