فصل من كتاب «سياحةٌ في شيراز، مع ملاحظات مختلفة حول عادات وتقاليد وقوانين ولغة وأدب الفرس» للإنجليزي السيد إدوارد سكوت وارينغ (1783-1821)، الموظف في الخدمة المدنية في البنغال، الصادر في لندن عام 1807. والمعلومات عن إدوارد سكوت وارينغ شحيحة؛ حيث تذكر المصادر أنه كان موظفًا في الخدمة المدنية في الهند البريطانية، وأنه كان أستاذًا مساعدًا للغة الهندية في كلية فورت وليم منذ عام 1801، وقد بدأت رحلته في عام 1802 وانتهت في عام 1803.
الرواية التي يقدمها عن الدعوة النجدية والدولة السعودية الأولى تحتوي أخطاءً وأوهامًا، وهذا راجع إلى أنه تلقى كثيرًا من معلوماته من خصوم الدعوة في بلاد فارس، كما أنها لا تخلو من التصوُّرات الاستشراقية الشائعة في ذلك الزمن عن الإسلام وتاريخه وشعوبه، ولكنها مع ذلك تنطوي على قيمة تاريخية وتحوي معلومات طريفة تُسلِّط بعضًا من الضوء على هذه الفترة التاريخية الحافلة، والقارئ الحصيف يمكنه التمييز بين الغث والسمين.
راعيت في إخراج النص في اللغة العربية لأول مرة الحفاظ عليه كما هو، باستثناء أسماء المواضع والأماكن في نجد التي كتبها المؤلف بطريقة خاطئة فأثبتُّ التسمية الصحيحة، وأضفت هوامش وروابط توضيحية، كما أضفت عناوين فرعية.
الوهابيون
الفصل الحادي والثلاثين، ص. 119-125، من كتاب «سياحةٌ في شيراز».

تكلمتُ سابقًا عن العرب الوهابيين، وسأورد الآن وصفًا صحيحًا بقدر استطاعتي لديانة وتاريخ هؤلاء القوم. إن مؤسس هذه الديانة رجل يدعى ابن عبدالوهاب، من بلدة العُيينة في إقليم العارض. ويرى البعض أن أول من دعا إلى هذه العقيدة الهدَّامة للمعتقد الاسلامي هو المُلَّا محمد، ابن عبدالوهاب. وكيفما كان الأمر، فإنه من الأكيد أن أحد هذان الشخصان هو مؤسس ديانة الوهابيين، إلا أنَّ التسمية تجعلني أميل إلى القول بأن عبدالوهاب هو مُؤسسها1.
سيرة الشيخ محمد بن عبدالوهاب
كان هذان الشخصان كثيري الترحال، فدرسَا على أهمِّ العلماء المحمديين2 في البصرة وبغداد، ثم رحلا إلى دمشق، حيث أذاع عبدالوهاب مبادئه الدينية. ففزع علماء المدينة من عقيدته، فاضطُرَّ إلى الفرار. وعند وصولهما إلى الموصل، دعا علنًا إلى عقيدته التي تدعو إلى النقاء والفضيلة والاستقامة. وبعد إقامة قصيرة في الموصل3؛ عاد إلى بلاده، فكان من حسن طالعه أن اقنع حاكم بلدته بعقيدته، وكذلك أمراءً آخرين. ويُزْعَم أن المُلَّا محمد تزوج أخت حاميه، وبعد حين قتلهُ، قائلًا إنه كان طاغية وأن حبه للعدالة لن يسمح له أن يتجاوز مثل هذه الجرائم الدنيئة حتى ولو جاءت من ذوي القربى. ولا تبدو لي هذه القصة جديرة بالتصديق؛ وإنما أوردتها لأني في معرض الحديث عن المُلَّا محمد فحسب، وإلا فهي على الأرجح من اختراع مسلم متعصب ناقم، يروم تصوير شخصية هذا المبتدع في أسوأ صورة.
كان عبدالوهاب في نظر أتباعه الجدد مُشرِّعًا مُستقلًّا فاستغلَّ سلطته هذه للتوفيق بين أتباعه؛ وهكذا صار على رأس أقوى جماعة في نجد. ودفعته حماسته الدينية إلى نشر أقواله لا بالإقناع والحجة وحسب، بل أيضًا بالتعصُّب والقسوة التي ميزت صعود المحمديَّة وانتشارها. وتوسَّع عبدالوهاب في فتوحه4، وفي برهة قصيرة سيطر على العارض بكاملها.
خلفه عند وفاته عبدالعزيز، الذي سار على منواله في استمالة شيوخ القبائل5. واستفزت هذه الديانة التي نشأت في قلب الجزيرة العربية المشايخ التقليديين الذين لم يكن بمقدورهم احتمال استهزاء الوهابيين بمعتقداتهم وأقاصيصهم التي يؤمنون بها تمام الإيمان.
معتقدات الوهابيين
يُتَّهم الوهابيون بالاعتقاد بهذه الأمور: «ليس هناك إلا إله واحد حكيم عادل»، وأن جميع من يُدعَون «أولياء ليسوا سوى رجالٍ صالحين عادلين»، وأن «ليس هناك عمل أو كلام موحى». بيد أن عبدالوهاب رأى أنه من الضروري فرض شعائر دينية على أتباعه، فحرَّمَ تناول التبغ والأفيون والقهوة6؛ ولقد وجدت العديد من المسلمين الذين يرون أن التدخين مخالف لدينهم.
من بين المراسيم المدنية الوهابية ما يلي: «لا يجوز أخذ مكوس على بضائع المسلمين. والزكاة على الذهب والفضة، اثنان ونصف بالمئة. الأرض التي تسقى طبيعيًّا زكاتها عشرة بالمئة، والأرض التي تسقى صناعيَّا خمسة بالمئة. غنائم الفُتُوح والغزوات ملك للجماعة، وتُقسَّم إلى خمسة أجزاء: خُمْس للخزينة العامة، والأجزاء المتبقية تبقى في المكان الذي جُمِعت فيه؛ وتُوزَّع فيما فيه خير الجماعة ولأبناء السبيل والفقراء. والمسلم الذي يُخالف تعاليم القرآن يُعامل معاملة الكافر، وتدمير الأضرحة من ضرورات الدين».
حملات والي بغداد
استفزَّ السلب والنهب الذي يقوم به هؤلاء العرب الإصلاحيين حفيظة والي بغداد، فجرَّد عليهم جيشًا عرمرمًا بقيادة شيخ المنتفق، الذي برز في السنوات الخوالي بسيطرته على البصرة. وصل هذا الجيش حتى الأحساء، التي لا تبعد كثيرًا عن الدرعية، عاصمة الوهابيين. وسيطر الجيش على قلعة الأحساء، وكان شيخ المنتفق عازمًا على تدمير عاصمة الكفار. ولم يكن لعبدالعزيز من مخرج أمام هذا الخطر الداهم إلا توظيف حميَّة أتباعه وتعصبهم في مواجهة أعدائه؛ لذا اختار أحد عبيده7 المفضلين، ووعده سعادة أبدية إن نجح في قتل أكبر مخاوفه.
إن خيمة العربي مُشرَّعة لكل أحد؛ فوجد العبد، المُسلَّح بالسيف والرمح وفقًا لتقاليد بلده، مدخلًا سهلًا. وطلب فورًا لقاء شيخ المنتفق، الذي صادف أنه كان حاضرًا ودعاه إلى الاقتراب منه. تأكد العبد من هدفه، وعاجَلَ شيخ المنتفق من فوره بالرُّمح، وصاح بأن الوهابيين «وعدوه الجنة». وغني عن الذكر أن العبد وقع ضحية تعصبه. كان سعود -ابن عبدالعزيز- مُخيِّما بالقرب من العدو، وحين تبين له شيوع الاضطراب فيهم عند مقتل قائدهم؛ كرَّ عليهم وفرَّقهم شذر مذر.
هكذا انتهت أول حملة على الوهابيين، وتبعتها أُخرى كانت أخزى وأوخم على الأتراك؛ حيث أراد والي بغداد أن يمحو فضيحته السابقة فأرسل جيشًا إلى البصرة عِدَادُه عشرون ألف رجل مجهزين بجميع الضروريات. وهذا الجيش، مثل سابقه، توغَّل إلى الأحساء وخيَّم فيها لعدة شهور. ورشا عبدالعزيز، من عاصمته الدرعية، قائديْن من الجيش للانسحاب بقواتهما. وفي الصباح التالي، هجم سعود على القوة الباقية وأجهز عليها بيُسر، فسلب أمتعتها وساق منها أسرى.
وأعتقد أنه من ذلك الحين لم يهاجمهم الأتراك قطُّ، مع أن الفرس عازمون في كل عام على توحيد قواهم مع والي بغداد لاجتثاث هذه البدعة الخطيرة.
حملة شريف مكة
لقد جهَّز شريف مكة، قبل تسعة أعوام، حملة على عبدالعزيز؛ ووصل على مقربة من الدرعية. ولجأ عبدالعزيز إلى أساليبه المعتادة في هزيمة أعدائه: أرسل رسولًا إلى الشريف يرجوه في أن يعرض مطالبه، ويُعبِّر عن أمله في أن يُتْرَكَ وشأنه في عاصمته. وقد أرفق مع رسالته هدية من القهوة الفاخرة، وكذلك أعلن عن استعداده لإرسال ابنه للبرهنة على حسن نواياه. وهذا ما جرى، فنشأ اتصال بين الدرعية ومُعسكر الشريف.
وما إن نضجت مخططات عبدالعزيز، حتى أرسل إلى ابنه رسالة يدعوه فيها إلى تجهيز نفسه للهجوم على معسكر الشريف في الغد. وقد تحدد وقت الهجوم في الساعة الثانية عشر، حين يكون العرب نائمين أو مستلقين للراحة. وعندما اقترب عبدالعزيز، لم يُصدِّق الشريف أقوال الذين جاءوه يخبرونه بزحف عبدالعزيز وجيشه، وأمر بضربهم وسجنهم. وعندما رأى سعود ومن معه اقتراب جيش عبدالعزيز؛ انقضُّوا على العرب المُطمئنين، فتفرقوا من فورهم وهربوا. وفرَّ الشريف حين دوى أول إنذار، وترك معسكره ومتاعه غنيمة لعبدالعزيز.
العتوب والعراق
لقد استمال عبدالعزيز العتوب مؤخرًا، حُكَّام أقوى الدويلات العربية على الشاطئ العربي، ومن ثم حاز إمكانية الملاحة في خليج فارس.
كان العتوب في حالة حرب مع الفرس وأهل البصرة؛ إذ أثناء اقامتي في بوشهر كانوا يشكلون خطرًا داهمًا عليها. وقد حاصر إمام مسقط شيخ العتوب في عاصمته، واستولى على البحرين. ولكن انتصر العتوب في النهاية، وقَبِلَ الإمام الصلح معهم.
وقد هاجمت مجموعة من الوهابيين كربلاء العام المنصرم (1802)، المدينة التي يحتفي بها الفرس لأنها مثوى أبناء علي، ودمروا الأضرحة، وسلبوا المدينة والحجاج. وقد قابلتُ العديد ممن كان هناك في ذلك الحين، وكلهم يُجْمِع على بطش وضراوة المصلحين.
ولا بُدَّ من التذكير بأن تدمير المقامات المقدسة يعدُّ -بحد ذاته- قسوة كبرى؛ وهذا هو الراجح عندي، لأن بعض الأرمن الذين تعاملوا مع جماعة من الوهابيين وصفوهم لي بالأمانة والإنسانية. بيد أن الحروب بين العتوب والفرس كانت غايةً في القسوة والوحشية؛ إذ كان من عادة الطرفين قتل الأسرى.
قوة الوهابيين العسكرية
إنَّ قوة الوهابيين لا يستهان بها، ربما ثمانين أو تسعين ألفًا. وحملاتهم تمتاز بالسرعة والسريَّة، مما يجعل جيرانهم في حالة دائمة من التوجُّس. فعندما كنت في البصرة، كان الناس يتوقعون التعرُّض للهجوم.
ولقد أرغمت الشيخوخة عبدالعزيز، الذي جاوز الثمانين من العمر، على تسليم قيادة الجيوش لابنه الشاب، الذي يشتهر بالجرأة والمغامرة.
عندما يكون هنالك حملة عسكريَّة، يؤمر شيوخ القبائل بالتوجه إلى مكان معين في وقت معين، ويبلغ التدبير مبلغًا عظيمًا بحيث أن جيشًا كبيرًا يلتقي في بقعة معينة من غير أن يُعرف مبتغى قائده. وهذه القوة تمتطي -في الغالب- الجِمَال، وسلاحها السيف والرمح. والقليل من المدافع والبنادق، ولكنها رديئة.
ضم الحجاز
منذ انتهيت من كتابة هذا، جاءت الأخبار بأن الوهابيين هجموا على الطائف ومكة والمدينة وسلبوها، ومن ثُمَّ فقد خالفوا قانونًا مقدسًا يُحرِّم اقتراب الرجال المسلحين مسافة معينة من المعبد.
لقد دمروا حجر أساس المحمدية، هذا الحجر الذي صمد أمام الأوربيين، وسقط بهجمة واحدة على يد عربٍ إصلاحيين. وهذا الحدث قد يكون منعطفًا في العالم المحمدي، إذ يبدو لي أن الحج إلى مكة كان له دائمًا أثر عظيم في ترسيخ هذا الدين، بقدر ما كانت فتوحات محمد الأولى.
تأثير الدعوة في مسلمي الهند
يمكن الاستغراق في تأمُّل تبعات هذا الحدث، ولكني سأكتفي بملاحظة واحدة، وهي أن سجية الزمان تغيرت منذ عصر محمد، وأنه على الرغم من الحروب الدينية التي تُقلقِل بلاد فارس والجزيرة العربية، فإنه يكاد من المحال أن تنتشر هذه العدوى؛ فالعديد من المعتقدات الخرافية تختلط بديانة محمد في الهند، وتعويل المسلمين على العادات الهندية يجعلهم غير قادرين على تبني أو فهم معتقد معقول.
اغتيال الإمام عبدالعزيز
في زيارتي الأخيرة لبوشهر (1804)، تناهى إليَّ خبر اغتيال عبدالعزيز، اغتاله -على ما يظهر- أحد سكان كربلاء الذين قُتِلَت عائلته ودُمِّرَ منزله حين احتلها الوهابيين. إن الوهابيين الآن جماعة قوية، قادرة على مقاومة الجهود المتفرقة للأتراك، الذين ينقص نفوذهم في الجزيرة العربية بقدر ما يزداد نفوذ الإصلاحيين. وبالفعل فالأتراك الآن يرون أنه من الأصلح كسب ودهم وابتياع صداقتهم. لقد ساد سلبهم غالب الجزيرة العربية، ويمكن القول إن مصير البصرة معلق برحمة الغازي، أو بالأصح بانشغاله في أماكن أخرى. وفي البحر الأحمر أُلْجِأت العديد من الأماكن لشراء ود المصلحين.
- غني عن الذكر أن مؤسس الدعوة هو الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأن هذه الرحلات العلمية التي يذكرها المؤلف قام بها الشيخ محمد وحده. ↩︎
- درج الأوربيون حتى نهاية القرن التاسع عشر بل إلى أوساط القرن العشرين على تسمية الإسلام: المُحمدية. ↩︎
- لم يثبُت تاريخيًّا أن الشيخ زار دمشق والموصل. ↩︎
- لم يكن الشيخ محمد بن عبدالوهاب مشاركًا في الفتوحات، وإنما كان هذا عمل أئمة الدولة السعودية الأولى؛ واقتصر عمل الشيخ على الدعوة والكتابة والتعليم. ↩︎
- يقول المؤلف في هامش هذه الجملة: «يقول البعض إن والد عبدالعزيز هو سعود». هكذا يتبين الخلط الذي وقع فيه؛ إذ جعل عبدالعزيز بن محمد بن سعود ابنًا لعبدالوهاب (والد محمد)، ثم شكَّ في الهامش بهذه النسبة، والواقع أن الحاكم الأول للدولة السعودية هو محمد بن سعود، وخلفه ابنه عبدالعزيز بن محمد. ↩︎
- لم تُحرِّم الدعوة القهوة، يقول بوركهارت: «ويقال: إنهم حرموا شرب القهوة، ولكن ذلك غير صحيح؛ إذ إنهم دائمًا يشربونها بقدر كبير». ↩︎
- اسمه (ا)طْعيس، وهو من عبيد بني خالد، وقيل فيه المثل: «بيعة (ا)طْعيس». ↩︎