ميتافيزيقا فيلم «غراوندهوغ داي»


غراوندهوغ داي

صُنع فيلم «غراوندهوغ داي» (1993) بوصفه استقصاءً لميتافيزيقا الزمن. والفكرة الأساسية هي عن مذيع نشرة جوية اسمه فِيْل كونورز، يتكرر عليه نفس اليوم، يوم غراوندهوغ في 2 فبراير في بلدة بانكسوتاوني. ولكنَّ فيل، الذي يؤدي دوره بيل موراي، يحتفظ في ذاكرته بأحداث اليوم السابق. ويظهر أن التكرار يعمُّ الكون كله، وليس للفيزيائيين وسيلة مستقلَّة عن فيل لملاحظته.

هذا ليس الفيلم الوحيد الذي يتضمَّن حلقات زمنية (Time loops). فمثل «غراوندهوغ داي»، فيلم «إيدج أوف تومورو» (Edge of Tomorrow) (2014) يحتوي حلقات زمنية مع ذكريات يحتفظ بها شخص واحد؛ في هذه الحالة شخصية توم كروز، التي تواجه معركةً شاقةً أمام غزاة فضائيين. الفيلم الكندي الصادر في 2016 «ARQ» يتضمَّن حلقات زمنية مع الاحتفاظ بالذكريات، ولكن في هذه الحالة عدة أشخاص يتذكرون؛ ومسافتهم من مولِّد حلقة الزمن تُفسِّر (وإنْ على نحو غير مُطَّرد) من يحتفظ بالذاكرة ومن لا يحتفظ بها. الفيلم الألماني الصادر في 1998 «اركضي يا لولا» (Lola rennt) يحتوي ثلاث حلقات زمنية فقط، ولكن لا يبدو أن أحدًا يذكر شيئًا عن الحلقة أو الحلقات السابقة، على الرغم من وجود تلميحات تُشير إلى أن لولا وخليلها لديهما نتف من الذاكرة؛ ففي الحلقة الثالثة، تقفز لولا ببراعة فوق الكلب الذي تعثَّرت به في الحلقة الثانية، وكذلك ملاحظة من خليلها في الحلقة الثالثة توحي بوجود بعض من ذكرى الحلقتين الأولى والثانية. ويسهل وضع فيلم لولا في نموذج فيلم غراوندهوغ للزمن، أكثر من نموذج فيلم إيدج.

«بالم سبرينغز» (Palm Springs) (2020) هو أقرب فيلم إلى ميتافيزيقا غراوندهوغ داي الزمنية، وكذلك أهم خلفائه وأكثرهم إمتاعًا. فثلاث شخصيات تجمع ذكريات عبر الحلقات بوضوح، وشخصية أو شخصيتان تفعل هذا بخفاء. والمشهد الأخير فقط يطرح الأسئلة عن الطوبولوجية الزمنية للفيلم. «هابي دَثْ دي» (Happy Death Day) (2017) و«هابي دَثْ دي تو يو» (Happy Death Day 2u) (2019) يحتويان أيضًا على حلقات زمنية، ولكن لكون تصنيف «رعب كوميدي» خطأً تصنيفيًّا -على النحو الذي وصفه غيلبرت رايل- لم أخض فيهما.

الزمن والزمن الفائق

لكن هنا أريد التركيز على غراوندهوغ داي. هل يُقدِّم صورةً ميتافيزيقيةً مقبولةً ومُطَّردةً عن الزمن؟ وما الذي يمكننا أن نتعلمه منها؟

ذاكرةُ فيل عن أيام (أو «يوم») غراوندهوغ المتعددة تصنع «زمنًا فائقًا» (Supertime)، حيث كل يومٍ يمكن أن يُرَى باعتباره سلسلةً من الأيام؛ فعندما تنتهي حلقة، ليلحقها في الزمن الفائق يوم آخر، تنتهي جميع السلاسل السببيّة في الحلقة السابقة، باستثناء تلك التي تُؤثِّر في ذاكرة فيل عنها. وفيما عدا هذا، ينتهي اليوم ويبدأ يوم غراوندهوغ من جديد، بلا عواقب من اليوم السابق.

من الواضح أن الزمن الفائق لا يتداخل فيه يومان. ولكن ليس من الواضح إن كان ثمة فجوة في الزمن الفائق بين نهاية يومٍ وبداية آخر. وإن كانت ذاكرتك جيدة، فستتذكر أنه في الفيلم يبدأ كل يومٍ -أيْ كل حلقة- في الساعة 6 صباحًا أو قبلها بقليل. ونحن نرى بشكل مُتكرِّر 5:59 على ساعة منبِّه فيل قبل أن توقظه لليوم الجديد. كما أننا نعلم أن إحدى الحلقات انتهت قرابة 3:04، إذ نرى الساعة 3:02 يلحقها حوالي دقيقتين من الحوار. وأبسط احتمال أن اليومر يستمر حتى الساعة 5:59 صباحًا، وحينها -في الزمن الفائق- يبتدئ اليومر+1. ولكن يُحتمل أيضًا أن اليومر ينتهي -مثلًا- في الساعة 3:10، ولا يوجد زمن فائق بين الساعة 3:10 لأحد الأيام والساعة 5:59 في اليوم التالي؛ لذا الأشياء تنتقل مُباشرةً من 3:10 إلى 5:59. أو ربما الزمن الفائق يجري من دون حدوث شيء في أي زمنٍ محلي حتى حلول الساعة 5:59. وبما أنه بالطبع لا شيء يحدث، لا يمكن بالملاحظة المباشرة التفريق بين أنظمة التوقيت المُختلفة، هذا إن كانت تعني أشياء مختلفة أصلًا. ولكن سيكون من التسرُّع اتِّباع مذهب التثبت (Verificationism) للوصول إلى استنتاج أن إحدى هاتين الفكرتين بلا معنى؛ لأنّها غير قابلة للاختبار. وتفسير الفيزيائيين لزمنٍ يتحلَّق على هذا النحو -عندما يصبح عندهم تفسير- قد يجعل فكرة زمنٍ فائقٍ فكرة جذابة أو غير جذابة. والدليل غير المباشر، إلى جانب الاعتبارات النظرية، قد يعطي إجابات لا يمكن اختبارها مباشرة. وإن كان ثمة إصرار على أنه لا يوجد إلَّا زمن حقيقي واحد -مدعومًا بحجةٍ عن الطبيعة الجوهرية للزمن- إذن، فالزمن الفائق الذي جرَّبه فيل ينبغي أن يُعدَّ الزمن الحقيقي. وكل الأحداث يمكن أن تُوضع فيه على نحو مُتسلسل، بحيث تُضمُّ حلقة اليوم مع بقية الحلقات.

يمكن القول إنه لا توجد حلقة في الزمن على الإطلاق، وإنما هنالك ظاهرةٌ غريبةٌ جدًّا تأخذ الكون برمته تقريبًا -باستثناء ذاكرة فيل- إلى حالةٍ معينةٍ سابقة، بغضِّ النظر عن قوانين السببية المُعتادة. وفي هذا الاستدلال، لا يوجد إلا يوم غراوندهوغ واحد؛ أما كل أيام غراوندهوغ الأخرى فقد كانت في الزمن الفائق 3 فبراير، 4 فبراير... وهكذا، ولكن لا أحد غير فيل يتذكَّر شهر مارس أو الشهور التي تلته لعدة سنوات، التي كانت جميعها شتاءً ميتًا. وبالفعل، فإن مواقع الكواكب ستبقى عالقةً تدور في مساحة صغيرة طوال هذه المُدّة، وكذلك حركة الكون برمته. والحوادث الفلكية العابرة التي تُرى في يوم غراوندهوغ، كالمُستعرات العُظمى وانفجارات أشعّة غاما، والتي حدثت على بُعد العديد من السنوات الضوئية، ستعود مكانها وتعاود الانفجار يومًا تلو اليوم. وكذلك التقدُّم البيولوجي في السنِّ سيراوح مكانه. وأفضل مسار لفيل أن يتقبَّل الأزمان المحلية بالإضافة إلى الزمن الفائق بوصفها حقيقيةً تمامًا.

ولنُلاحظ أنَّ ريتا (آندي ماكدويل)، مُنتجة برنامج فيل، إن كان لها أيامها المُكررة الخاصة بها، فلا يقتضي أن تكون بنفس عدد أيام فيل. فقد يكون فيل قد مرَّ بألف يوم، بينما ريتا لم تمر إلا بأربعة أيام على سبيل المثال. وفي هذه الحالة، فإنَّ الزمن المحلِّي لأيام فيل لا يجتمع في الزمن الفائق على نفس الزمن المحلِّي لأيام ريتا. وبغياب هذه المُشاركة، هذه الأيام المُفترضة لفيل وريتا لن تكون إلا «مُنسَّقة جُزئيًّا» تجاه بعضها في الزمن الفائق.

قد تميل إلى الاعتراض بأنَّ الزمن لا يعمل على هذا النحو؛ فإن كان هناك زمن فائق، فجميع الأحداث ينبغي أن تكون مُنسقةً على نحو كامل، سواءً أكان بمقدورنا تحديد النسق أم لا. أما من جهتي، فسأدعو إلى التحلِّي بضبط النفس في إسقاط محدودية خيالنا على الواقع الميتافيزيقي.

بديل الأكوان المُتعدِّدة

في تفسير غراوندهوغ داي الذي قدمته للتو، تتلاشى جميع السلاسل السببيّة للكون حتى تنعدم في نهاية كلِّ يوم، باستثناء اليوم الأخير. يمكننا تجنُّب هذا الانعدام بافتراض أكوانٍ مُتفرِّعة: كلُّ يومٍ يوجد في كون مختلفٍ ومنفصل، يتشارك بماضٍ مع الأكوان الأخرى لكنَّ له مستقبله الخاص. ولا يوجد كونان تعود فيهما ريتا مع المصوِّر لاري إلى بيتسبرغ ليُخبرا بنفس الحكاية.

الأكوان المُتعددة تظهر على نحوٍ مُتكرِّرٍ بشكل أو بآخر في قصص السفر عبر الزمن، أحيانًا بشكلٍ صريح وأحيانًا ضمنيًّا. إن قتلت نظير جدِّي في كونٍ مُختلف فلن يُولد نظيري في ذلك الكون، ولكنَّ هذا لن يتداخل مع ولادتي أو مع بنائي لآلة عابرة للزمن (وعابرة للأكوان).

الأكوان المُتعدِّدة في القَصص الخيالية تميل إلى أن تكون أكثر فوضويةً من نظرية الأكوان المُتعددة في ميكانيكا الكم، التي وفقًا لها يتفرَّع الكون مع كُلِّ حدثٍ كمومي. إنما فيل يُصعِّب الأمور بشدة؛ فعلى ما يبدو أنَّ فيل، في تلك العوالم التي يعبرها حيًّا خلال اليوم، لا يختفي بعدها وينتقل جسديًّا إلى كونٍ آخر. وتفسير الفيلم يجب أن يُقلِّل من الانتهاكات الصارخة للقانون الفيزيائي على هذا النحو. لذا من الأفضل أن نعدَّ فيل يومر+2 قد نُقِلَت إليه ذاكرة فيل يومر+1، وهكذا، نستبقي فيلًا واحدًا في كل كون؛ وكل واحدٍ منهم يمضي إلى مستقبله الخاص.

تفسير الأكوان المُتعددة للفيلم يحمل أثقالًا ميتافيزيقية أكثر من تفسير الحلقة الزمنية. كما أنَّ له تبعات غير مُلائمة على استمرارية البطل؛ إذ في بعض الأكوان يموت موتةً شنيعة. لذا فسأقصر تفكيري فيما سيلي على الحلقات الزمنية. ولكن للإثراء، أدعوكم إلى التفكير بتفسير الأكوان المتعددة في المسألتين التاليتين اللتين يطرحهما الفيلم.

ما اختير بحُريّة لا بُدَّ أن يقع

ينطوي فيلم غراوندهوغ داي على فرضيةٍ في الحتميّة والإرادة الحرة. وبعض التعريفات ستكون مفيدةً هنا: أعدُّ نظامًا مُغلقًا على أنه حتمي عندما -وفقط عندما- تُنتِج قوانين الفيزياء، من أيِّ وصفٍ تامٍّ لهذا النظام في وقتٍ مُعيَّن، حالةً لاحقةً واحدة -لا غير- لهذا النظام. أما التعريف المتداول للحتميّة، بوصفها «إمكانية التنبُّؤ من حيث المبدأ»، فمن الأفضل تجنُّبه، للسبب الذي قدمه ريتشارد بويد في مجلة «فلسفة العلم» عدد ديسمبر 1972: ليست كل الدوالّ قابلة للحساب (القابلية للحساب توفر لنا فهمًا صارمًا لمعنى أن يكون الشيء قابلًا للتنبُّؤ). وإلهٌ يقع خارج الزمن بمقدوره أن يرى مُباشرةً كل شيء يحدث، في كل وقت، بضربةٍ واحدة، لكنَّ هذا لا يُعدُّ تنبُّؤًا. وعلاوة على هذا، سيكون بمقدوره معرفة المُستقبل حتى في عالمٍ لا يتصف بالحتميّة إلى أبعد الحدود. وحتى إله داخل الزمن، إن كان يتصف باللانهائية، بإمكانه أن يحلَّ دالّةً لا تتصف بالتكرارية (Non-recursive function) باللجوء إلى فحص العدد اللانهائي من الحلول المحتملة، في لحظة. ولكنَّ هذا المدد الغيبي (Deus ex machina) لقابلية التنبُّؤ يمطُّ فكرة «من حيث المبدأ» بقدرٍ يجعلها تكفّ عن أن تكون مثيرةً للاهتمام.

«حرية الإرادة» تستعصي أكثر على التعريف؛ فهي -إن وُجِدَت- يجب على الأقل أن تشمل ما يجعل الفعل البشري جديرًا بالمسؤولية الأخلاقية، وبالتقريع والثناء، وبالكرامة الأخلاقية. كما يجب أن تكون كامنةً في شعورنا بأننا نسيطر على قدرٍ كبير من أفعالنا. و«التوافقيّة» هي الموقف الذي يرى بأنَّ حرية الإرادة ممكنة حتى لو صحَّت الحتميّة، أما «اللاتوافقيّة» فهي رفض هذا. وبعض اللاتوافقيِّين «حتميون صلبون»، يزعمون أنَّ الحتميّة قائمة وأنَّ هذا يستبعد المسؤولية الأخلاقية؛ ولذا فشعورنا بالحرية والمسؤولية زائف. وعلماء الاجتماع غالبًا ما يظهرون وكأنهم حتميون صلبون.

في الغالب، يظهر أن الحتميّة هي الحاكمة في غراوندهوغ داي. وباستثناء الأحداث التي تُؤثِّر فيها أنشطة فيل -على نحوٍ مُباشر أو غير مُباشر- كل شيء يحدث في اليوم التالي كما حدث في اليوم الأول.

لكن ماذا عن أفعال فيل؟ لا يوجد سبب لعدم عدِّها حرةً على النحو الذي نعدُّ به الحالات المُعتادة للفعل البشري حرًّا. نرى فيل يأخذ مساراتٍ مختلفة بعدما يُفكِّر بفشله في الأيام الأولى. ونعدُّه مستحقًّا للتوبيخ -خصوصًا في الأيام الأولى- ومستحقًّا للثناء فيما بعد.

هناك، في كل هذا، حجةٌ خفيةٌ للتوافقيّة: أفعالُ فيل لها تلك الصفات التي نعدُّها معبرةً عن حرية الإرادة، ولكنَّ الأفعال البشرية خارج مخروط سببيّة فيل يظهر أنها حتميّة؛ لأنها تتكرَّر بالضبط يومًا بعد يوم. ومع ذلك لا يوجد سبب للاعتقاد بأنَّ الناس الموجودين خارج بانكسوتاوني يختلفون عن فيل من حيث الحرية والحتميّة. ولذلك فإنَّ ريتا، مع أن سلوكها حتمي، إلا أنّها أيضًا حرة، مثل فيل؛ فكلاهما يتخذ قراراته بناءً على تجربته واستدلاله. واختلاف خيارات فيل في الأيام المختلفة ليس مناقضًا للحتميّة، بما أنَّ له حالات ابتدائيّة مختلفة عندما يتخذ «نفس» الخيار في يومٍ تالٍ، بامتلاكه ذاكرةً عن الكيفية التي جرت بها الأيام السابقة. وما يجعل فيل يتصرَّف بشكل مختلف في كلِّ يوم هو أنه يُقابل كل حدثٍ مألوف بعقلٍ مُختلف. وأستنتج أنَّ كونَ غراوندهوغ داي يُقدِّم ما يُسمى بنسخة «الحتميّة الليِّنة» من التوافقيّة: حتمية فيزيائيّة بالإضافة إلى حرية إرادة.

أن تكون الشخص نفسه باستمرار، أو ليس تمامًا

حتى هذه اللحظة، في تفسير الحلقة الزمنية أشرت إلى فيل وريتا كما لو أنه لم تكن هناك مشكلة فيما إذا كان أشباه فيل وأشباه ريتا في الأيام المختلفة هم في حقيقة الأمر فيل بعينه وريتا بعينها. وقد حان وقت النظر عميقًا في مسائل الهُوِيّة الشخصية الموجودة في الفيلم.

أكثر النظريات الفلسفية شيوعًا في شأن الهُوِيّة الشخصية كانت صيغة من فكرة «استمرارية الذاكرة» في نظرية الهُويّة المرتبطة بجون لوك (1632-1704)، ومن فكرة «الاستمرارية الجسدية» أو «البدنية» في نظرية الهُويّة، وهي النظرية الأقرب إلى الماديين. وكلتا النظريتين، إذا عُرضتا عرضًا سليمًا، تتوافقان توافقًا كبيرًا مع البديهة. ولكنَّ أيًّا منهما لا يعطينا نتائجَ مُرضِيةً لفهم غراوندهوغ داي.

لا يبدو أن لدى فيل أدنى شك بأنهُ الشخص نفسه طوال الوقت. وهذا لا يعني أنه لا يمرُّ بتغيُّراتٍ ملحوظة، على سبيل المثال: تعلَّم البيانو والفرنسية، وبمرور الوقت صار شخصًا أفضل، ولعله يود أن يقول إنه «صار شخصًا مُختلفًا»، ولكن هذه هي الطريقة المجازية التي نعبر بها عن التغيُّرات الملحوظة في الشخصية الكامنة في شخصنا الواحد والوحيد ميتافيزيقيًّا. ومن الأكيد أنَّ فيل يعتقد في يومٍ أن المباهج والآلام في اليوم التالي ستكون مباهجه وآلامه، وأنها أشياء تُطلب أو تُتفادَى، وتُتوقَّع بابتهاج أو قلق. ولتتذكَّر حملته العابرة للأيَّام من أجل إغواء «زميلته في الثانوية» نانسي تايلور.

بينما نُشاهد الفيلم، ننجذب إلى الأفكار القائلة بأن هناك فيلًا واحدًا بعينه يتكرر عليه يوم غراوندهوغ مرةً تلو المرة. ولا تصرفنا عن هذا الرأي رؤيتُنا فيل يقود سيارته فوق الهاوية ويسقط في منجم الفحم، ولا بُدَّ أن النار والانفجار ألحقا دمارًا تامًّا بجسد فيل. ولكن في الساعة 5:59 في اليوم التالي، نجد فيل، أو هذا ما نتقبَّله بثقة. ولذلك فنحن وفيل نرفض -ضمنيًّا- معيار الاستمرارية الجسدية للهُوِيّة الشخصيّة. وذاكرة فيل في يومر+1 عن يومر تُثبت اعتقادنا بأنَّ من نراه ليس شبيهًا لفيل في يومر+1، وإنما هو فيل؛ لأنَّ فيل يتمتَّع باستمرارية الذاكرة عن تجاربه الخاصة عبر الأيام.

أما عندما نتجه إلى ريتا، فالأمور تُصبح أكثر تعقيدًا. فإننا نعرف بالبديهة أن ريتا هي نفس الشخص في يوم 1 فبراير وفي يوم 3 فبراير -عندما يأتي أخيرًا!- ولعل البديهة تدفعنا كذلك، من البداية، إلى أن نضع في نفس هذه الهُوِيّة جميع الريتات في آلاف الأيام. ولكن البديهة تتجاوز نطاقها هنا. قارن اليوم الذي يُسمِّي فيه فيل الغراوندهوغ بـ«الجُرذ» ويشجب مسؤولي بانكسوتاوني بوصفهم «منافقين ملاعين»، باليوم الذي يقدِّم فيه مديحًا يُثلج الصدر عن البلدة ومواطنيها والغراوندهوغ في فقرته التلفازية. في هذين اليومين، وحتى اتصال ريتا الأول بفيل، لا يوجد سبب لاعتقاد أن الريتتيْن تختلفان عن ريتا في يوم 1 فبراير. ولكن بعد الاتِّصال بفيل، تحدث أشياء مختلفةٌ تمامًا لريتا، مما يتسبَّب بمشكلاتٍ للنظريّتين التقليديتين في الهُوِيّة الشخصية.

في نظرية الذاكرة، الريتتان التاليتان بعد الاتصال بفيل في الأيام المختلفة لا يمكن أن تكونا مُتطابقتين. ومعيار استمرارية الذاكرة، للهُوِيّة الشخصية، قد يوحي أيضًا بأنَّ الاثنتيْن متطابقتان مع ريتا في يوم 2 فبراير، ولكن هذا مُحال؛ إذا كانتا تُولِّدان ذكرياتٍ مُختلفة، فلا بُدَّ أنهما غير متطابقتين، ومن ثَمَّ لا يُمكن أن تكونا معًا متطابقتين مع ريتا الأصلية (إذا كان س≠ص، إذن، فلا يمكن أن تكون س=ج، وص=ج). ولا يوجد سبب لعدِّ أيِّ يومٍ مميزًا لأغراض نظرية الذاكرة للهُوِيّة، باستثناء اليوم الأخير. ولذلك فالريتات، في جميع الأيام تقريبًا، لن تطابق بعضها ولن تطابق ريتا في يومي 1 و3 فبراير. وعمومًا (على الأقل في فهمٍ طبيعيٍّ لنظرية الذاكرة)، لا أحد وقع في مخروط سببيّة فيل في أيِّ يوم سيكون مُطابِقًا لنفسه في أيِّ يوم آخر. وكلُّ الذين يقعون خارج بانكسوتاوني، وخارج نطاق بثِّ فيل التلفازي، لن يعانوا من أيِّ فقدان للهُوِيّة على الرغم من أنهم في الحلقة نفسها؛ هذا لأنهم يملكون ذاكرات مُتطابقة عن كلِّ يوم.

نظريات الاستمرارية الجسدية ستعلن أيضًا أنَّ الريتات لسن متطابقات. دعونا نُركِّز على الساعة 3 مساءً من كلِّ يوم: في هذا الوقت، الريتات من مُختلف الأيام يوجدن في مواقع مكانيةٍ مختلفة ويفعلن أشياء مختلفة، لذا لا يمكن أن يكُنَّ الشخص نفسه.

إن كنت تُريد أن تكون الريتات جميعهنَّ الشخص نفسه، فإنَّ أفضل رهان يتوفر لك أن تُطبِّق نظرية الاستمرارية الجسدية في الزمن الفائق. ولكنّه لن يكون رهانًا رابحًا. نعم، بقدر ما نعلم، هناك ريتا ما في كلِّ لحظةٍ من الزمن الفائق، وليست في أيِّ لحظةٍ من الزمن الفائق في مكانين مختلفين تفعل شيئين مختلفين. ومع ذلك، فهي تعاني انقطاعًا يوميًّا. وفي نهاية كل يوم، باستثناء اليوم الأخير، تقفز قفزةً مكانية، على الأقل تختفي من جانب من سريرها في الفندق وتعاود الظهور في الجانب الآخر. وعلاوة على هذا، هناك قدر كبير من التغيُّرات الجسدية، أكثرها إثارةً «طمسٌ» في أجزاء الذاكرة في دماغها، عندما تعود إلى نفس وضعها الجسدي في اللحظة الأولى من اليوم الأول. وهذا ليس نوع الاستمراريّة الجسدية الذي تستلزمه النظرية.

نظريةُ لاري والهُوِيّة الشخصية الجُزئيَّة

هنالك حلٌّ مُختلفٌ لمسألة هُوِيَّاتِهم الشخصية سيبدو مقبولًا لكل الشخصيات التي ليست فيل، باستثناء ريتا ربما؛ إن اعترف لها فيل بالحقيقة. لنأخذ المُصوِّر لاري (كريس إليوت) مثلًا: في حلِّ لوك -من وجهة نظر لاري- لاري اليوم الأخير مُطابق للاري يومي 1 فبراير و3 فبراير. فلاري يوم 3 لا يتذكَّر إلَّا الحلقة الأخيرة من يوم غراوندهوغ، وكذلك يوم 1 فبراير. ومن ثَمَّ فلاري اليوم الأخير من يوم غراوندهوغ يتمتع بذاكرة مُتصلة مع لاري قبل هذا اليوم وبعده، ولذلك هؤلاء اللاريَّات متطابقون في نظرية الذاكرة. أما لاريَّات الأيام الأخرى فهم مهجورون، من جهة الهُوِيّة.

ولنسمِّ هذا نظريةَ لاري، ولنتساءل ما إذا كان على فيل وريتا قبولها. تمتاز نظرية لاري عند فيل بأنه لن يحتاج إلى الاعتذار إلى ريتا في يوم 3 فبراير على محاولاته في التلاعب بها وإغرائها في بعض الأيام السابقة. عليه أن يستشعر الذنب تجاه ريتات تلك الأيام، ولكنهنَّ سيتلاشين من الوجود، وفي يوم 3 فبراير لن تتذكرهنَّ ريتا.

ولكن عندما تُخبَر ريتا بالقصة كاملةً، فإنها ستتساهل مع فيل إن قَبِلت هذا الاستدلال. فحتى لو كان انقطاع استمراريّة الجسد والذاكرة يُصعِّب تماهي ريتات كل الأيام مع ريتا التي تمضي في طريق السعادة مع فيل في 3 فبراير، إلا أنَّ ريتا الأخيرة سيكون لها، أو ينبغي أن يكون لها، اهتمام خاص بريتات الأيام السالفة. وسيكون من الفجاجة -التي لا تخلو من الصحة- القول إنهنَّ كُنَّ «إلى حدٍّ كبير» هي. ولو اعترف فيل بمحاولاته في إغراء ريتا، فستشعر أن خطأً ارتُكب بحقِّ أشخاصٍ ليسوا يختلفون عنه اختلافًا مُعتادًا.

إذن، فالفيلم يُعطي ريتا، ويعطينا، أسبابًا لاتخاذ موقفٍ في الهُوِيّة الشخصية يُذكِّر بموقف ديريك بارفيت (انظر، على سبيل المثال، «الهُوِيّة الشخصية»، The Philosophical Review 80، 1971): هناك العديد من الاحتمالات الميتافيزيقية التي تتوسَّط بين الهُوِيّة الشخصية والتمايز الشخصي. هنا، لدى جماعة الريتات سلف جسدي وتذكُّري مُشترك: ريتا يوم 1 فبراير. كما أن لديهم تاريخًا مُتذكَّرًا كاملًا مشتركًا بينهم، باستثناء ساعاتٍ قليلة. وكذلك تتشاركن (تقريبًا) جميع القيم والمشاريع، وربما أيضًا أعمق الأسرار والرغبات. ولسن متشابهات فقط، بل أيضًا حساسات في نفس المواضع تمامًا. ولذا يستحيل ألَّا نستنتج أن نظرية لاري، التي تُعطي استمراريةً في الهُوِيّة لأناسٍ في اليوم الأخير فقط، تُغفِل شيئًا مُهمًّا عن العلاقة التي سوف -ويجب- أن تشعر بها ريتا تجاه الريتات في الحلقات الأخرى: فمع أنهنَّ لسن الشخص نفسه، إلَّا أنهن لسن أشخاصًا مختلفين أيضًا.

هذا يقود إلى الاحتمالية -التي أظن أننا يجب أن نُعاملها بجدية- أنَّ تماثُل الشخصية قد يكون تدرُّجًا بارفيتيًّا. ولتطبيق هذه الفكرة على الحياة الحقيقية: قد لا تكون مُطابقًا للشخص الذي كُنتَه قبل خمس عشرة سنة، ليس بالمعنى المجازي المتعلِّق بتغيُّرات في الشخصية، وإنما من الجهة الميتافيزيقية التي يجب أن تُرشِدَ سلوكك. وبالأحرى، لست إلَّا جزئيًّا، وربما غالبًا، الشخص نفسه. وهذا يعني أنك إن كُنت في العشرينيات، فقد لا تواجه أنت الموت، وقد لا تملك إلَّا حصةً صغيرةً في الشخص الذي يحمل اسمك الذي سيموت أخيرًا. والصورة القاتمة، وإن لم تكن مخيفةً جدًّا، هي أنك أنت ستكون قد تبددت إلى حدٍّ كبير قبل ذلك الوقت. ولازمةٌ حكيمة: تأكد أن المرحلة الحالية من حياتك ليست مُجرَّد تحضير لمراحل تالية، ولكن أن تكون ممتعةً بحدِّ ذاتها، وهذا إلى حدٍّ كبير ما يجعل الحياة جديرةً بالعيش. وإن كنتَ تلميذًا، يمكنك أن تستثني فترة الامتحانات من هذه النصيحة.

الخاتمة

لقد رأينا الخطوط العريضة لحبكة فيلم غراوندهوغ داي (يوم جُرذ الأرض) تتكرّر مرات عديدة سابقًا: فتى يصادف فتاة، الفتى لا يحصل على الفتاة، الفتى لا يحصل على الفتاة مرةً أخرى، الفتى لا يحصل على الفتاة حتى الآن، الفتى يحصل على الفتاة أخيرًا. ومن الجيد أن فيلم غراوندهوغ داي مفعم بالميتافيزيقا الزمنية. وإلَّا فما الغاية؟

اقرأ أيضًا: المشهد من مكانٍ آخر، والكابوس قبل عيد الميلاد.

نُشرت المقالة الأصلية بالإنجليزية في مجلة Philosophy Now، العدد 141 (ديسمبر 2020/يناير 2021).

الصورة: Anthony Quintano from Mount Laurel, United States، بترخيص CC BY 2.0، عبر ويكيميديا كومنز.