
بقلم آندي أوين
الحظر الذي مررنا به هذه السنة قادني إلى التفكُّر فيما تعلّمته من السفر. رحلتي الأولى إلى قارةٍ أخرى كانت رحلةً إلى جنوب إفريقيا عندما كنت في السابعة عشرة، عام 1994، في السنة التي صار فيها نيلسون مانديلا أول رئيسٍ أسود للبلاد. ولقد كان للرحلة أثر عميق عليَّ؛ فعدم المساواة والظلم والردّ الوقور والحيوية وإمكانية تحقيق الأفضل والعزم على هذا، كان أمرًا حقيقيًّا بالنسبة لي على نحو لا يسمح به إلا الانغماس المُباشر في المناظر والأصوات والروائح.
والتعرُّض للكيفية التي يعيش بها الآخرون حياتهم يُسائل شعورنا حيال كيف نعيش، وكيف يجب أن نعيش. والتركيز على الجديد والغريب عندما نُسافر -والنظر إليه كما ينظر فنان قبل أن يرسم شيئًا- قد يساعدنا بالتركيز على الأشياء اليومية عندما نعود إلى الوطن، ويساعدنا بتقدير تلك الأمور التي نأخذها مأخذ التسليم في حياتنا. ولقد اتخذت هذه المُلاحظة النقدية في طريقي إلى المطار في كامبالا في أوغندا، عندما شهدتُ حشد الناس العائدين إلى المنزل في غروب أرجوانيِّ اللَّون والشمس الإفريقية تتوارى عن الأنظار. ومن بين هذا الحشد، استرعى نظري رجلٌ حافي القدمين يحمل على ظهره حطبًا يزن وزن شجرة كاملة. وقد افترضتُ أنه لن يُفكِّر بمعنى الحياة بينما هو يرزح تحت هذا الحِمْل، وأنه لن يُركِّز إلا على العيش لا غير. وهذا كشف لي أحدَ تحيُّزاتي، عن كيف أفكر في الآخرين وأطلق الافتراضات. لقد كانت نظرتي ذاتيةً.
يقول الفيلسوف الأمريكي توماس نايجل، في كتاب المشهد من اللامكان (1986) إنه تزداد موضوعية نظرة المرء كلما قلّ اعتمادها على تكوين الناظر وموقعه في العالم أو على طبيعة كيانه الخاص.
ولأننا نحمل معنا تحيزاتنا ومعتقداتنا، فحتى السفر لا يمكنه أن يمنحنا مشهدًا من اللامكان؛ لتصبح عندنا رؤية موضوعية محضة. ولكن يمكنه على الأقل أن تعطينا مشهدًا من مكانٍ آخر، يتحدى منظورنا الذاتي القائم. فحتى عند الإقامة في غرفة تافهة مُكيَّفة في سلسلة فنادق عالمية -تنازلها الوحيد لموقعها هو تقديم عدة أطباق محلية في قائمة خدمة الغرف- ستُلاحظ فروقًا طفيفةً: مقابس الكهرباء، وقنوات التلفاز المختلفة، والترجمات المختلفة في دليل الفندق. وهذه الاختلافات تُقدِّم ومضةً لبدائل محتملة. ويمكننا تجاهل هذا إنْ أردْنا، باستخدام المحولات أو اختيار قناة في التلفاز، أو يمكننا أن نقبلها ونشاهد قناة إخبارية على مدار الساعة تورد الأحداث في بلدنا على أنها شؤون خارجية. ويمكننا أن نتوقف عن النظر في هواتفنا بينما نحن ننتقل من الفندق إلى الشاطئ أو المكتب أو المطار، وننظر من خلال النافذة.
وبالفعل، فإن نايجل يعتقد أنَّه: «يمكننا أن نُضيف إلى معرفتنا عن العالم بمُراكمة معلومات في مستوى مُعيَّن؛ وذلك بتعميق الملاحظات المستفيضة من منظور واحد. ولكن لن نستطيع الارتقاء بفهمنا إلى مستوى جديد إلَّا إنْ فحصنا العلاقة القائمة بين العالم وأنفسنا، تلك العلاقة المسؤولة عن فهمنا المُسبق، وكوَّنَّا تصوُّرًا جديدًا يشتمل على فهمٍ غير متحيِّزٍ للذَّات والعالَم والتفاعُل بينهما. لذا الموضوعية تُتيح لنا التعالي على منظورنا الخاص وتنمية وعيٍ واسع يستوعب العالَم استيعابًا أكبر» (المشهد من اللامكان).
مشاهد مختلفة
نفس الزيادة في الموضوعية التي نتحصَّل عليها من المشاهدة من مكان آخر، يمكن أن تمنحنا الفرصة لتنمية منظور من اللا-أحد، وهي خطوة إضافية نحو الموضوعية.
حدَّد نايجل في كتابٍ أسبق، وهو «إمكانية الغيريَّة» (1970)، المنفعة الأخلاقية من فكرة كون الشيء خيرًا أو شرًّا من «منظور اللا-أحد»، الذي يعني به منظورًا ليس مخصوصًا بأيِّ فرد. ونايجل يميل إلى الاعتقاد، على سبيل المثال، أن «المرء إن كان عنده مُبرِّرٌ للتخلُّص من ألمٍ في قدمه، فهذا لأن من الشر أن يتألم، ببساطة. وإن كان الأمر كذلك، فإن كل شخصٍ لديه مسوغ ما لإنهاء الحالة الراهنة السيئة. وهذا النمط ينطبق عمومًا، ولذا كلُّ فعلٍ فردي -إنْ كان عقلانيًّا وصحيحًا أخلاقيًّا- موجَّه نحو تجسيد ما هو خير أو شر من منظور الجميع، أو بالأصح من منظور اللا-أحد». ومن ثمَّ يرى نايجل أنَّ هذه الموضوعية هي القوة الدافعة لعلم الأخلاق بقدر ما هي القوة الدافعة للعلم: «إنها تُمكِّننا من تنمية بواعث جديدة عندما نشغل منظورًا منفصلًا عن ذلك المُتصل برغباتنا ومصالحنا الشخصية، مثلما أنها في مجال الفكر تُمكِّننا من تنمية مُعتقدات جديدة».
وهذا قد ينجح أيضًا إن اتخذنا منظور الجميع: منظور العالم كافة.
ديوجين الكلبي، الفيلسوف الإغريقي من القرن الرابع قبل الميلاد، يُستشهَد به غالبًا باعتباره أولَ كوزموبوليتاني، بما أنه أعلن نفسه أولَ «مواطنٍ عالميٍّ» (kosmopolitês). وفي هذه الأيام، الكوزموبوليتية (الكونيَّة) هي فكرة أنَّ الناس لهم حقوق وواجبات إنسانية بغضِّ النظر عن انتمائهم؛ فَهُويَّة المرء تتعالى على الحدود القومية. وهذا التفكير اكتسب واقعًا جديدًا في العاشر من ديسمبر 1948، عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 217 أَلِف، المعروف أيضًا باسم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ردًّا على الانتقادات المُعاصرة التي تُساوي بين الكوزموبوليتية والنخبوية عديمة الجذور، يُعرِّف الفيلسوف الكوزموبوليتاني كوامي أنتوني أبيا الكوزموبوليتية على أنها: «الكونيَّة بجانب الاختلاف». ويزعم أن الثقافات المُختلفة يجب أن تُحتَرم، «ليس لأن الثقافات مهمة بحدِّ ذاتها، ولكن لأن الناس مهمون، والثقافة تهم الناس». ولكن، عند أبيا، ثمة أيضًا حدود للاحترام الذي يجب أن نعطيه للاختلافات الثقافية: إذ يجب أن نحترمها بقدر ما هي لا تضرُّ ولا تتعارض مع الاعتبارات الكونية لحياة الإنسان. ويقدِّم أبيا، في كتابه «الكوزموبوليتية: أخلاقيات في عالم من الغرباء» (2006)، فكرتين مركزيتين في فلسفته الكوزموبوليتية: الأولى أنَّ علينا واجبات تجاه الآخرين تتجاوز تشاطُر الجنسية، والثانية أنَّ علينا ألَّا نستخفَّ بقيمة الحياة ولذا علينا أن نعي ممارسات الآخرين ومعتقداتهم. والسفر يساعدنا على هذا.
المشهد من مسالك مُتعرِّجة
الانسحاب إلى مشهدٍ من مكان آخر إلى منظور اللا-أحد أو إلى منظور الجميع، لا يخلو من مشكلات. فحتى عندما نُسافر، لا بُدَّ أن نعود إلى الوطن في نهاية المطاف: يجب أن نعود من هذه المنظورات الافتراضية إلى العالم الحقيقي، حيث ولاءاتنا تجاه أصدقائنا وعائلتنا ووطننا ومعتقداتنا. ويُسلِّم نايجل أنَّ منظوراته الافتراضية «تخلق مشكلة جديدة تتعلَّق بإعادة الإدماج، مشكلة كيف يمكن إدراج هذه النتائج في حياة إنسانٍ عادي ومعرفته بذاته».
طوَّر الرواقيون لاحقًا أفكار ديوجين. أحد الفلاسفة الرواقيين -هيروكليس- وصف نموذجًا مُفيدًا، يشتمل على سلسلة من الحلقات المُتمركزة. في الحلقة الداخلية يقع الفرد، وفي الحلقة التي تليها عائلته المقربة، وفي التي تليها عائلته الموسعة، ثم مجتمعه المحلي، فمجتمع البلدات المجاورة، فوطنه، وأخيرًا البشرية. ووفقًا لهيروكليس، واجبنا هو أن نرسم الدوائر تجاه المركز، ناقلين الناس إلى الدوائر الداخلية، وجاعلين البشرية كافة جزءًا من اهتمامنا. ولقد أضاف الفلاسفة اللاحقون حلقاتٍ إضافية، تشمل الحيوانات والنباتات الحية. هذه الحلقات ستوجد أبدًا وهي مهمة لحياتنا اليومية على العديد من المستويات، ولكن يمكننا أن نطمح إلى تضييق المسافة بين الحلقات. والسفر يتيح لنا ملاحظة الفروق التي تخلقها فينا بيئتنا الفريدة، وكذلك يتيح لنا رؤية العدد الهائل من القواسم المشتركة مهما كان ركن العالم الذي جئنا منه.
بعض أقدم قصصنا هي حكايات تدور حول مساعي بحث عن أمر معين؛ من ملحمة غلغامش -التي تحكي رحلة غلغامش لاكتشاف سر الخلود- مرورًا بالأوديسة -التي تحكي سعي أوديسيوس إلى الوطن- إلى سعي الملك آرثر إلى الكأس المُقدسة. والرحلة الجسدية غالبًا كنايةٌ عن سعينا نحو رغبات أعمق، كالغاية والخلود. وسواءٌ أأكملنا المسعى أم لا، تُخلِّف مسيرتنا آثارًا خلفها. فنترك خطوط رغبة على العشب: الطرق المُختصرة المُتلاشية التي تظهر حيث تتخذ الدروب طرقًا ملتوية أو غير موجودة، أو المقاعد المهترئة في محطات القطار، أو النُصُب التذكارية لمن سقطوا على الطريق، من نقوش الفايكنغ إلى صلبان المحارب الصليبي أو أزهار مربوطة على الحواجز المحاذية للطريق. واليوم، أهم من الآثار التي نتركها على سطح الأرض، الكربون الذي نطلقه في الهواء. فأوديسيوس لم يقلق بشأن بصمته الكربونية بينما كان يحاول العودة إلى الوطن، إلى عائلته.
قبل الوباء وفي أثنائه وبعده، بينما نسافر لأجل أن نُعيد الاتصال بمن نُحب، وكذلك نقيم صِلات جديدة؛ خرائط الطيران تصبح خرائط الروابط البشرية. وهذه الروابط الكونية، الاجتماعية والاقتصادية، قد تُجنِّبنا الوقوع في صراع عالمي آخر، أو على الأقل تُساعد على نزع الفتيل عندما يقع هذا. والمشكلات التي تواجهنا، كالأزمة المناخية والأوبئة العالمية، أكبر من أن تحلَّها دولة واحدة؛ إذ سنحتاج إلى تنسيقٍ دوليٍّ للتصدي للقضايا الدولية. وتاريخنا في السفر قد يكون قد وضع الأُسس لحلول مستقبلية لمشكلاتنا العالمية. وعلى الأقل، في هذه الأزمنة المنقسمة، المشهد من مكان آخر يُمكن أن يذكّرنا أيضًا أنَّ لدينا من المشتركات ما يفوق الاختلافات.
اقرأ أيضًا: مأساة الحضارة الإغريقية ومُفارقتها، وديوجين السينوبي (404-323 ق.م): الغنيُّ من رضي بالقليل.
نُشرت المقالة الأصلية بالإنجليزية في مجلة Philosophy Now، العدد 142 (فبراير/مارس 2021).