باروخ سبينوزا


سبينوزا - باروخ سبينوزا

يُقال بأن سيدني مورغنبسر، فيلسوف جامعة كولومبيا «المرتد»، قد كتب مرةً على السبورة سؤال امتحان يقول: «البعض يقول إن ماركس وفرويد قد جاوزا الحد. إلى أيِّ حدِّ ستذهب؟». سُمِّي باروخ (باللاتينية: بنديكت) سبينوزا «يسوع المسيح»؛ وحتى في هذه الرفقة، من اليهود غير المؤمنين، هذا يعدُّ تجاوزًا للحد. ومع ذلك، إن كانت المسيحية والإسلام في أصليهما ديانتيْن يهوديتيْن، فيمكن القول إن عمل سبينوزا كان يهوديًّا أيضًا، بما أنه نابع -من بين أشياء أخرى- عن انشغالٍ بالكتاب المقدس، الذي نقده -وإن لم يغفله أبدًا- على نحو لم يسبقه إليه أحد.

سيرة حياته

كتابُ سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة (1670) كان له كبير الأثر لمحاولته إلقاء القيود الموضوعة من جانب رجال الدين على حرية التفكير، الذين كانوا شيوخ الكنيس الذي كان ينتمي إليه. فلقد حُرِمَ سبينوزا، كما هو مشهور، من الجماعة اليهودية في أمستردام بسبب الزندقة؛ هذا عندما نشر آراءه المبتدعة في طبيعة الإله، في وقت كان لهذا الفعل عواقب حقيقية. هذا الحرمان الموضوع عليه من الجماعة يمنع أيَّ يهودي من محادثته وحتى الاقتراب منه أكثر من ست خطوات. لقد تحدث سبينوزا عن يسوع باعتباره المسيح، وكتب باللاتينية لجمهور غير يهودي، لأنه -جزئيًّا- لم يملك خيارًا آخر.

لقد جاءت عائلته من اليهود المتحولين، وهم اليهود الإسبان الذين أُجبِروا على اعتناق المسيحية وإلَّا التعرض للموت على يد محاكم التفتيش. وقد جاء بعض أجداد سبينوزا إلى هولندا لممارسة اليهودية بحرية، وهي التي لم يتخلوا عنها قط، ولكن تحقيقه الخاص في علم اللاهوت قاده إلى صراع مع حُرَّاس الأرثوذكسية اليهودية. لقد أعاد إلى الصدارة سؤالًا ألمح إلى أنَّ أبراهام ابن عزرا -أحد أسلافه الفكريين- قد طرحه عن مؤلِّف التوراة (الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، وهذا يشمل شرائع موسى)، التي ينسبها التقليد اليهودي إلى موسى، بإملاء من الإله. يزعم سبينوزا أنَّ ابن عزرا لم يصرح بشكوكه، حصافةً أو خوفًا. ولكن سبينوزا توقف دون شجب التوراة فعلًا، فهو يُظهر تقديرًا للتقوى البسيطة، وإن كان هذا التقدير طفيفًا. ما كان يهمه هو التحرر من تأثير أولئك الذين يُسيئون إلى الاعتقاد باستخدامه في الرقابة الفكرية التي لا تحق لهم.

بعد وفاة والد سبينوزا، أرادت أخته أن تأخذ الميراث عن غير حق. فأخذها سبينوزا إلى المحاكم، وفاز بالقضية، ثم أعطاها الميراث. لقد عاش حياةً متقشفةً، رافضًا عروض المساعدة من الأصدقاء، كما رفض المناصب الجامعية التي عُرضت عليه، إما رغبةً في الاستقلال أو لروح فلسفية أو كليهما معًا. وقد كسب سبينوزا رزقه من حرفة صقل العدسات، التي مكنته من العمل في مجال البصريَّات، وجعلته ينخرط مع شخصيات مشهورة شاركته الاهتمام، ومنهم كريستيان هويغنز. الفلسفة الطبيعية لم تكن قد تطورت بعدُ إلى التخصصات العديدة التي نعرفها اليوم، و«رجال العلم» كانوا منشغلين بالدين والميتافيزيقا والتجارب على حدٍّ سواء. توفي سبينوزا بعمر الرابعة والأربعين، في 21 فبراير 1677، من مرض في الرئة، على الأرجح تسبب به أو فاقمه غبار الزجاج الذي كان يستنشقه أثناء ممارسته لحرفته.

الفلسفة

سيقول سيغموند فرويد إن والدينا يقدموننا إلى عادات وأنماط معينة، ونستمر عليها، متخلين عمَّا هو ليس بجوهري بمرور الوقت. أما عند سبينوزا، في كتابه رسالة في إصلاح العقل (1677)، فهذا يصف العملية التي نمرُّ بها في تعلمنا لما يمكن معرفته: غربلة الآراء المتوارثة لتمحيص ما يثبت صحته، لنتخلَّص من الزيف، وننقل إلى الجيل التالي المعرفة المُتبقية. ما يجدر ملاحظته أن التحيُّز -أيْ الممارسة أو الرأي المُسبَقيْن- ليس على خلاف مع المعرفة عند سبينوزا، وإنما الممارسة أو الرأي المُسبَقين هما مجموع المعرفة التي تُستخرَج منها الحقيقة، بعملية مستمرة.

مُنجَز سبينوزا الحقيقي لا يأتي في شكل نقد لليهودية الأرثوذكسية، وإنما في بناء لاهوت بديل في كتابه علم الأخلاق (1677). وعلم الأخلاق كتاب مذهل في أنه يأخذ النهج العام للرياضي اليوناني القديم إقليدس ويطبقه على الفلسفة واللاهوت. فكل فصل يبتدئ بعدة تعريفات بسيطة، ويشتقُّ منها العديد من القضايا واللوازم. الإله الذي يظهر في الفصل الأول ليس الأب الحازم الذي يوبخ أبناءه لعلهم يرعوون، ولكنه خليط من إله بني إسرائيل في وحدانيته والإله الأرسطي الذي هو علة الكون التي لا علة لها. وهذه هي مقولة سبينوزا الشهيرة «الله، أو الطبيعة» (Deus, sive Natura). أتته هذه الفكرة برؤية المفهوم الأرسطي في «الجوهر» باعتباره شيئًا واحدًا، لا أشياء متعددة. والجوهر عند سبينوزا يعني ما يوجد من دون أن يعتمد وجوده على غيره. ويجادل أنه لا يمكن وجود سوى جوهر واحد -الله- وكل ما عداه معتمد بوجوده عليه. هكذا تزول جميع الحجج المدرسية عن أن «سقراط جوهر» أو أن «البياض جوهر». ولكن الجوهر يعبِّر عن نفسه في أحوال مختلفة، كحال العقل أو حال الامتداد (الأشياء تمتد في الفضاء الطبيعي). هذا التفريق استعاره سبينوزا من ديكارت، لكن بجعله العقل والامتداد صفات للجوهر الواحد، يوحِّد بين العقل والجسد على نحو يجعل انفصالهما مستحيلًا. إذ إن كان الجوهر واحدًا، فإن الجسد والعقل (وكذلك نحن) ليسا إلا صفاته، وأجزاء من كلية كاملة لكائن فرد: الله، أو الطبيعة. فكرة وجود كائن منفصل عن الكائنات التي خلقها -الرؤية الأرثوذكسية للإله في المعتقدات الإبراهيمية- تُضمَّن في الرؤية الفلسفية أن الله هو علة نفسه، وطبيعة قائمة بذاتها لها وجود سرمدي.

بحركة إغريقية لا يهودية، يختزل سبينوزا الأخلاق في التقاليد التي نشأت في المجتمع وتعرضت للاختبار فيه، مسميًا «شرًّا» الأشياء التي وجدناها شرًّا، و«خيرًا» الأشياء التي وجدناها خيرًا. لم يبتر سبينوزا الصلة مع الأخلاق الموروثة التي تضمنت الوصايا، ما فعله أنه شكك بأصولها وتحدث عنها بشكل مختلف. بالفعل، سبينوزا يختزل في تفكيره الأخلاق المستمدة من التوراة إلى الحد الأدنى، ولكنها تبقى عنصرًا أساسيًّا منه. ولكنه يصف الوحي الموسوي على أنه نزل على الناس لأنهم لا يستطيعون تمييز الحقيقة من دون عونها، أما الفلاسفة الحكماء (وهو منهم) فيستطيعون. هذا يضع الأساس لمنعطف أقل لطفًا في قصته، حيث يجعل المسيحية بطبعها أكثر توافقًا مع العقل من اليهودية. إذن إلى غير اليهود يهدي جواهره، لا إلى اليهود.

والتحريم، الموضوع على سبينوزا من اليهودية الأرثوذكسية، ما يزال قائمًا.

اقرأ أيضًا: سقراط: الوُجوه العديدة للفضيلة، والقديس أنسلم (1033-1109): من خلال التفكير بالله نعلم وجوده.

نُشرت المقالة الأصلية بالإنجليزية في مجلة Philosophy Now، العدد 147 (ديسمبر 2021/يناير 2022).