تيودور أدورنو (1903-1969): الذكاء مقولة أخلاقيَّة


تيودور أدورنو
المجال: الأخلاق – المذهب: مدرسة فرانكفورت

لفكرة «الأبله التقيِّ» امتداد سحيق في الغرب، نجد بدايتها في رسالة القدِّيس بولس إلى أهل كورنثوس، حيث يرجو أتباعه أن يكونوا «جهلاء من أجل المسيح». وعلى امتداد العصور الوسطى، تطوَّرت هذه الفكرة في الثقافة الشعبية في صورة القدِّيس أو الحكيم الأبله أو المفتقد للذكاء، ولكن النقيِّ الصالح أخلاقيًّا. وفي كتابه «الحدُّ الأدنى من الأخلاق» يفحص الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو هذا التقليد القديم، فيرتاب في أنَّ وراءه محاولات «لتبرئة الأبله وتجميله». وعوضًا عن ذلك، يهدف إلى أن يبيِّن أنَّ الخيريَّة لا بُدَّ أن تقتضي كياننا كلَّه، بما فيه الوجدان والفهم.

ومشكلة فكرة الأبله التقيِّ، في نظر أدورنو، أنها تُفكِّكنا إلى عدَّة أجزاء، فتجعلنا نتيجةً لذلك عاجزين عن الفعل العاقل أصلًا. ففي الواقع، يُقاس الحكم الأخلاقي بمدى اتِّساق الفهم مع الوجدان. وتفترض نظرة أدورنو ضمنًا أنَّ أفعال الشرِّ ليست إخفاقًا على المستوى الوجداني فحسب، بل إخفاقٌ في الذكاء والفهم أيضًا.

كان أدورنو عضوًا في مدرسة فرانكفورت، وهي جماعة مهتمَّة بدراسة التطوُّر الرأسمالي. ويشجب أدورنو وسائل الاتِّصال الجماهيري، كالمذياع والتلفاز، زاعمًا أنها أدَّت إلى تآكل ذكائنا ووجداننا، وإلى اضمحلال قدرتنا على اتِّخاذ اختيارات وأحكام أخلاقية. ففي اعتبار أدورنو، حين نقرِّر تعطيل أدمغتنا بمشاهدة الأفلام التجارية (هذا إن كان بمقدورنا أصلًا اتِّخاذ هذا القرار، نظرًا إلى حال الثقافة السائدة التي نوجد فيها)، فإننا نتَّخذ قرارًا أخلاقيًّا. ويؤمن أدورنو بأنَّ الثقافة الشعبية لا تجعلنا أغبياء فحسب، بل تجعلنا عاجزين عن التصرُّف أخلاقيًّا أيضًا.

مشاعر جوهريَّة

يرى أدورنو أننا، مثلما نخطئ حين نعتقد بوجود شيء يُدعى الأبله التقيَّ، نرتكب خطأً مماثلًا حين نعتقد بوجود حكم قائم على الذكاء وحده، أي بإقصاء المشاعر. وقد يحدث هذا في المحكمة، حيث يُنبِّه القضاة المحلَّفين عادةً إلى أن يُنحُّوا مشاعرهم جانبًا، حتى يتسنَّى لهم إصدار حكم دقيق. لكن، في نظر أدورنو، ليس بإمكاننا اتِّخاذ قرار حكيم إن نحن هجرنا العاطفة أو الذكاء.

ويقول أدورنو إننا إن أفرغنا التفكير من العاطفة، فلن يبقى شيء نفكِّر به، وإنَّ تصوُّر أنَّ الذكاء قد ينتفع باضمحلال العاطفة تصوُّر خاطئ. لهذه الأسباب يرى أدورنو أنَّ العلوم، وهي صنف من المعرفة لا يُقيم للعاطفة وزنًا، لها مفعول يُجرِّد الإنسان من إنسانيَّته، كما تفعل الثقافة الشعبية.

ومن المفارقة أنَّ العلوم قد تكون هي المبرهنة على صواب فلسفة أدورنو في الفهم والوجدان؛ فمنذ التسعينيات درس علماء، كأنطونيو داماسيو، المشاعر والدماغ، مقدِّمين أدلَّة على الدور الذي تؤدِّيه المشاعر في صنع القرار. لذا، إن كنا نرغب في اتِّخاذ حكم يتَّصف بالحكمة، أو حتى في اتِّخاذ أيِّ قرار أصلًا، فلا محيص لنا من توظيف المشاعر والذكاء على حدٍّ سواء.