
على الأرجح، تتأتَّى شهرة الفيلسوف والروائي والشاعر الإسباني ميجيل دي أونامونو من كتابه «الإحساس التراجيدي بالحياة» (1913)، الذي سطَّر فيه أنَّ كلَّ وعيٍ هو وعيٌ بالموت -شعورٌ مُمِضٌّ يختلجنا بحقيقة عدم خلودنا- وبالشقاء.
للوهلة الأولى، تبدو هذه الفكرة شبيهة بفكرة سيدهارتا غوتاما، البوذا، الذي قال إنه لا مفرَّ من الشقاء في حياة الإنسان. ولكنَّ جواب أونامونو عن الشقاء مختلف تمامًا عن جواب البوذا؛ فهو، على عكسه، لا يرى الشقاء مشكلة يجب تجاوزها بالتزهُّد، وإنما جزءًا أصيلًا من معنى أن نكون بشرًا، وتجربةً إنسانية حيويَّة.
فإن كان كلُّ وعيٍ وعيًا بالفناء والشقاء الإنساني، وإن كان الوعي هو ما يميِّزنا بشرًا، فالسبيل الوحيد لإعطاء حياتنا ثقلًا ومعنًى هو اعتناق الشقاء. فإن تجاهلناه، فإننا لا نتجاهل ما يميِّزنا بشرًا فحسب، بل نتجاهل الوعي ذاته أيضًا.
الحبُّ أو السعادة
ثمَّة بُعدٌ أخلاقي لفكرة أونامونو عن الشقاء. فهو يزعم أنه من الضروري الإقرار بألمنا، لأننا إن واجهنا حقيقة شقائنا صار بإمكاننا أن نُحبَّ الكائنات الشقيَّة الأخرى. وهذا يضعنا أمام خيار حاسم: إمَّا أن نختار السعادة ونفعل كلَّ ما في طاقتنا لتجاهل الشقاء، وإمَّا أن نختار الشقاء والحبَّ. وقد يكون الخيار الأوَّل أسهل، لكنه يجعلنا منقوصين، إذ يبتر جزءًا أصيلًا فينا. أمَّا الخيار الثاني فهو الأصعب، ولكنه الخيار الذي يفتح الطريق أمام حياة حافلة بالعمق والمعنى.
اترك تعليقاً