
كانت المرحلة الأولى في مسيرة بول ريكور الفكرية مرحلة وجوديَّة، عزَّزتها دراسته لأعمال كارل ياسبرز حين كان أسير حرب في معسكر اعتقال ألماني في الحرب العالمية الثانية. ولكنَّ هذه القاعدة الوجودية أخذت مسلكًا ظاهراتيًّا، نحو فلسفتَي هوسرل وهايديجر، فترجم ريكور الجزء الأوَّل من كتاب هوسرل «أفكار ممهِّدة لعلم الظاهريات» إلى الفرنسية. وبعد الظاهراتية، أو بالأصحِّ من خلالها، اتَّجه فكره نحو الهرمنيوطيقا، وهي التسمية الأنسب لفلسفة ريكور الناضجة.
تدرس الهرمنيوطيقا البُنى المختلفة التي يمكن بواسطتها إسباغ معنًى على الموضوع، وقد تكون هذه البُنى ثقافية أو دينية أو اجتماعية أو لغوية، وهي تدين بالكثير للدراسة الظاهراتية للتجربة، ولكنها، في الوقت ذاته، تقدِّم نقدًا شديدًا لمبادئ الظاهراتية التقليدية.
وتتوافق الهرمنيوطيقا مع اثنين من اهتمامات ريكور الرئيسة، هما التأويل الإنجيلي، والتساؤل الفلسفي في تأويل النصِّ، كما جاء عند شلايرماخر ودلتاي وهايديجر وجادامر. فبدلًا من الذاتية الشفَّافة للكينونة المستقلَّة، التي تقوم عليها الفلسفة الظاهراتية، تنشأ الحاجة إلى تأويل المعنى في بُنًى مختلفة. فبالنسبة إلى ريكور، لا يمكن استيعاب المعنى الذي تحمله البنية، كبنية النصِّ، استيعابًا كاملًا، ولذلك لا يحقُّ للذات ادِّعاء المعرفة المطلقة بشيء، ولا حتى بنفسها. وإذا كان الهمُّ الرئيس للهرمنيوطيقا هو المعنى، فإنَّ المبدأ الذي يوجِّهها هو أنَّ المصادر المتعدِّدة للمعنى لا يمكن ترويضها والتوفيق بينها جميعًا في اعتبار أو خطاب واحد.
وعمل ريكور دراسة متنبِّهة لخطابات شتَّى والكيفية التي تمسُّ بها الموضوع، مع تحطيم أيِّ محاولة لتوحيدها، وهو عمل مهمٌّ في جدالات الظاهراتية والوجودية والهرمنيوطيقا والنظرية النقدية والتفكيكية وما بعد البنيوية. فهو يقدِّم فلسفة تتوسَّط بين الموقف التقليدي في هرمنيوطيقا جادامر وظاهراتية هوسرل، وبين النقد ما بعد البنيوي لهذه المواقف كما قدَّمه دريدا وليوتار (وكلاهما زامل ريكور في مقاعد الدراسة).
اترك تعليقاً