
تطوَّرت فلسفة سورين كيركجارد ردَّ فعلٍ على المثالية الألمانية التي هيمنت على القارَّة الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر، خصوصًا فلسفة هيجل. فقد أراد كيركجارد أن يُبطل فلسفة هيجل القائلة بنظام فلسفي كامل يجعل البشر جزءًا من عملية تاريخية حتمية، وذلك برؤية أكثر ذاتيَّة، وأراد كذلك أن ينظر في «ما يعنيه أن نكون بشرًا»، لا في وسط نظام فلسفي كبير، بل بوصفنا بشرًا يملكون زمام أنفسهم.
يؤمن كيركجارد بأنَّ ما يحدِّد حياتنا هو أفعالنا، وهي نتاج خياراتنا، فكيفيَّة اتِّخاذنا الخيارات إذن هي ما يحدِّد حياتنا. ومثل هيجل، يرى أنَّ الخيار الأخلاقي خيار بين اللذائذيَّة والأخلاقيَّة، ولكنه، على عكس هيجل الذي يرى أنَّ خيارنا يتحدَّد بالظروف التاريخية والمكانية لزماننا، يعتقد أنَّ الخيار الأخلاقي خيار حرٌّ بإطلاق، وهو فوق ذلك خيار ذاتي، فإرادتنا وحدها هي التي تتَّخذ القرار. ولكنَّ هذا ليس مما يدعو إلى السعادة، بل على العكس، فهذه الحرية المطلقة في الاختيار تستثير فينا شعورًا بالهلع.
ويوضِّح كيركجارد هذا الشعور في كتابه «مفهوم الهلع». فهو يطلب منا، على سبيل المثال، أن نتخيَّل رجلًا يقف على حافَّة هاوية أو على سطح بناية شاهقة. إن نظر هذا الرجل إلى الحافَّة فسيجد في نفسه نوعين من الخوف: خوفًا من السقوط، وخوفًا من دافعٍ يدفعه لأن يرمي بنفسه. والنوع الثاني من الخوف، أو الهلع، ناتج عن إدراكه أنه يملك الحرية المطلقة في أن يقرِّر رمي نفسه أو لا، وهذا الخوف يُصيبه بالدُّوار. ويقترح كيركجارد أننا نختبر هذا الشعور في كلِّ قراراتنا الأخلاقية، حين ندرك قدرتنا على اتِّخاذ أيِّ قرار، حتى أكثر القرارات بشاعة. فيصف هذا الهلع بأنه «دُوار الحرِّيَّة»، ويمضي ليبيِّن أنه، وإن كان يُسبِّب القنوط، يهزُّنا من غفلتنا لنعي الخيارات المتاحة. هكذا يزداد وعينا بأنفسنا، وتنشأ لدينا مسؤوليَّة شخصيَّة.
أبو الوجوديَّة
رفض معاصرو كيركجارد أفكاره، ولكنها صارت بالغة التأثير في الأجيال اللاحقة. فإصراره على أهمية خياراتنا وحرِّيَّتها، وعلى البحث الدؤوب عن المعنى والمغزى، قدَّم البنية الأساسية للوجوديَّة، تلك الفلسفة التي طوَّرها نيتشه وهايديجر، واكتملت على يد جان بول سارتر. وهي تنظر في سبل عيش حياة حافلة بالمعنى في عالم بلا إله، حيث كلُّ فعل اختيار، باستثناء ولادتنا. لكنَّ كيركجارد، على عكس هؤلاء المفكِّرين اللاحقين، لم يتخلَّ عن إيمانه بالله، ولكنه كان أوَّل من أكَّد إدراك الذات، والهلع من الحرية المطلقة.
اترك تعليقاً